للأسف، تحول سقوط الضحايا الفلسطينيين يومياً على يد كيان الاحتلال القاتل إلى خبر غير مهم في زحمة "الربيع" وقبله. لِمَ لا وقد جعله التكرار مُعتاداً و"وقائع على الأرض"؟! في كل يوم تقريباً، هناك "مقتل" أو اعتقال أو تشريد فلسطينيين، ولا أحد يندهش أو يهتم بالمصائب ولا بأسماء الضحايا التي تشكل "الهولوكوست" الفلسطيني الطويل. وحتى لو وضعت الفضائيات صفة "عاجل" بالأبيض على خلفية حمراء بجانب الخبر الفلسطيني، فإنّ ذلك لا يعني للناس أنّه ينتمي فعلاً إلى حرب كبيرة ومتواصلة لم تتوقف لحظة ضد الفلسطينيين. وأول من أمس، نقلت الأخبار استشهاد 14 فلسطينياً في غزة، وأكثر من 16 جريحاً في غارات شنها طيران العدو على القطاع. ولسبب ما، لم يستدرج هذا الرقم الكبير من الضحايا في وقت قصير كثيراً من انتباه العالم، مع أن 30 ضحية في يومين في أي صراع، ينبغي أن يوقف العالم على الأقدام –لو لم يكن الضحايا فلسطينيين.
في بداية الربيع العربي، توقع البعض –وأنا منهم- أن ترتجف اليد الصهيونية المعتادة على قتل الفلسطينيين قبل أن تضغط الزناد. لكنّ الطريقة التي أديرت بها ثورات شعوبنا لتقع في مغالطة المصادرة على المطلوب، لم تفعل سوى منح قادة الكيان فسحة واسعة وفرصة نادرة للاسترسال في ذبح الفلسطينيين بلَيل، وبلا كاميرات وأضواء. وبملاحظة السياقات الأوسع، يبدو أنّ الدأب في تضييع حقّ الفلسطينيين بدأ يسفر عن نجاح ملحوظ في إثارة مشاعر الضجر والاعتياد إزاء الخبر الفلسطيني، والتهرّب من مشاهدته وسماعه. بل لقد أصبح حال الناس مع موت الفلسطينيين أشبه بطبيب المشرحة الذي يعتاد الموت، حتى إنه يأكل شطيرته ويشرب فنجان قهوته مع الموتى في غرفة التشريح.
ولعل أكثر ما يدهش في هذا موقف بعض الفلسطينيين أنفسهم، ممن يروجون لفكرة وضع الرقبة تحت السكين بلا مقاومة؛ وكأنّ ذلك وصفة العطار التي يمكن أنْ تستثير شفقة القاتل أو تستدر دمعة من محتكري القرار العالمي. ويميل الكثيرون أيضاً إلى تجاهل المفارقة الحقيقة جداً، من أنّ الأوقات الوحيدة التي انتبه فيها العالم إلى معاناة الفلسطينيين ومصارعهم، كانت عندما يردّون على العدو بطريقته ويوقعون به خسائر. عندئذ فقط كان الخبر الفلسطيني يصبح عالمياً، ولو مرفقاً بالخبر "الإسرائيلي"، وربّما يقال –حتى من الذين يرون الفلسطينيين إرهابيين- حينذاك إنّ "مقتل الناس من الجهتين" يجب أن ينتهي. أما "التهدئة"، فلم تعنِ أكثر من تهدئة غضب الفلسطينيين وتخديرهم أمام غارات العدو القاتلة، وسرقته الأرض، واعتقاله الأطفال والرجال والنساء، وتوسيع مستعمراته وتكريس احتلاله بلا لحظة هدوء واحدة. وفي هذه الحرب التي لا يراها أحد حرباً، لأن الذي يخوضها هو ابن الإمبريالية وحبيب الاستبداد المدلل ضد أبناء البطة السوداء، يخسر الفلسطينيون أرواحاً وأرضاً كل لحظة بلا مقابل، ويظلون هم أيضاً موضع اللوم. ومع ذلك، لا يفكر القادة في كيف يجبرون العالم على الاعتراف بأن ما يجري ضد شعبهم هو حرب عدوانية من طرف واحد، كما هي. ولا هم يعلّمون العدو كيف يتحسّب من ردّة فعل توجعه، فيتردد قبل القتل.
طوال التنويم الشتوي الطويل المبيّت للنضال الفلسطيني في العقدين الأخيرين، انتقد كثير من المتعاطفين الدوليين سوء أداء العلاقات العامة للسلطة الفلسطينية. ففي حين يقيم محترفو الدعاية في معسكر العدو الدنيا ولا يقعدوها كلما سقط "صاروخ" بدائي في حقل فارغ، يروّع "المدنيين العزل"، لا يُحسنُ الفلسطينيون توبيخ العالم على سيل الجنازات وسرادق العزاء الفلسطيني المفتوح بلا نهاية. وحتى في الربيع العربي الذي عنون بالحريّة، وجُيش فيه الإعلام لاستغلال أيّ حادثة عنف بحق الشعوب لفعل كل شيء، ساد الانطباع بأن كل شيء هادئ على الجبهة الفلسطينية. وأصبح العنوان الأبرز هو "المصالحة" بين الفصيلين المتناحرين، وتشكيل حكومة وما شابه، وطغت صورة المصافحات من وراء القلب على صور الضحايا. فأيُّ شيء أروع من حال الفلسطينيين؟!
الآن: 12 أو 14، وحتى 4000 ضحية. وكذلك "غزة" و"الضفة" أصبحت محض أرقام وكلمات. وأصبح مصرع فلسطيني يصنف بالكاد خبراً عاجلاً -من باب رفع العتب. ذلك مرعب، ماذا يا فلسطينيون؟!

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   علاء الدين أبو زينة