من أسوأ النقد الذي يوجّه للمشتغلين بالفكر، أن يوصف أحدهم بأنه يعيش في بُرج عاجيّ. وتتعقب الأدبيات أحد استخدامات هذا المصطلح إلى القرن التاسع عشر، لوصف "عالَم أو مناخ، ينخرط فيه المثقفون والفلاسفة والفنانون في مساع مُنقطعة عن الشواغل العملية للحياة اليومية. ويحمل الوصف دلالات الانفصال المتعمد عن العالم اليومي، والباطنية، والبحث المُفرط في التخصص بحيث يكون أحياناً بلا معنى؛ والنخبوية الأكاديمية.. إلخ".
بهذا التعريف، يعيش المثقف في البرج العاجي حالة من الاغتراب والعزلة الفكرية. وربما يكون البرج العاجي "اختيارياً" (مع التحفظ على التوصيف)، حينَ يختار المثقف التعامل من موقف التعالي، ويشتغل على أدوات ومقاربات وموضوعات غرائبيّة يعتقد أنّها أكثر تساميّاً وجديّة. وفي واقع الأمر، تنطلي حيلة التميّز العلوي أحياناً في البيئات التي لم تنجز ثقافة مستقرّة، فيتوهم النّاس بأنهم هم القاصرون عن بلوغ قامة المثقف، وليس أنّه يتقصّد إنتاجاً غير ذي صلة. أما التحفظ على صفة "اختياري"، فيأتي من لاطبيعية هذه الحالة لمنتجي المعرفة، وميلها أكثر إلى منطقة غير سويّة يصعب أن يكون الاستقرار فيها "اختياراً" واعياً.
لكنّ الغالب في بيئاتنا المنغلقة أن يعمل المجتمع على إقصاء المفكرين والفنانين والفلاسفة، بالكثير من عوامل الطرد والتغريب. ومن ذلك، كثرة المحرمات والممنوعات والمحدّدات، وتضييق مساحة الحريّة في تناول معظم الشؤون، بحيث يخاف هؤلاء من أيّ اشتغال إبداعي يتصل باليومي والحياتي، فيهربون إلى منطقة التجريد. وبهذا، يعيش المثقفون في "سجون عاجية" إجبارية، بيضاء الخارج ومعتمة الداخل، وتصبح العلاقة بينهم وبين المجتمع مشوبة بالانفصال والحذر، بحيث لا يميل أحد إلى التدخل في شؤون الآخر ولا يعتني بفهمه. أما النتيجة، فاحتفاظ المجتمعات بجمودها وصمتها، وتقوية "مناعتها" ضد التجديد والحوار، وإعدام فرصة المثقف في التنوير وإنتاج معرفة عمليّة صالحة للاستعمال.
هذا النوع من المجتمعات العالقة في مصائد تنصبها لنفسها، يكون مرشحاً لإدامة الأزمات وتوليدها. وبشكل حتمي، ينعكس ذلك على سلوك الأفراد الذين يضطرّون إلى التعامل مع مشكلاتهم وحدهم، ويغرقون في التخمين والحيرة بطريقة تعزز عزلتهم وفرديتهم. ومن الطبيعي أن يُنتج انعدام النقاش والخوف من إعلان الرؤى الخاصة، روايات فرديّة لا يجري تعديلها بالاستنطاق، والتي يعتقد صاحبها بأنّها الرواية الصحيحة والنهائية. ويعني ذلك غياب رواية جمعيّة في حالة تطور مستمر، يشترك في كتابتها والإضافة إليها الجميع، بحيث تصبح هوّية ودليلاً إرشاديّاً عملياً يقترح الوجهات والوسائل. وهكذا، يصبح المشهد أقرب إلى مجموعة أشخاص يعيش كل منهم في "برجه" الخاص، عاجيّاً أو أقلّ فخامة. وببساطة، يتآمر المجتمع على نفسه ويحبط إمكاناته وهو يعتقد أنه يحمي نفسه.
في المجتمعات الأكثر حظاً، والتي تديرها عقول أكثر وعياً، تعمل الجهات المالكة للأدوات على تنشيط عمل المفكرين والفنانين والفلاسفة بشكل خاص، وتكفل لهم سبل الخروج من أبراجهم العاجية والانخراط في التحاور والتفكير والاقتراح. لكنّ ذلك يقتضي إرادة التقدم، والديمقراطية والتعددية، وبحسن نيّة حقيقي. ويَحدث أحيانا أن تُفرج السلطات المُغلقة عن بعض هؤلاء، وإنّما بإطلاق سراح مشروط، تحدَّد بموجبه مناطق حركتهم ومساحاتها، ويوقّعون بانتظام على كشف حضور لدى السلطات، من خلال ما ينتجون. ويحوز هؤلاء بذلك على رخصة التجوال في المناطق العامة، مع الالتزام الصارم بقواعد المرور. ويخلق ذلك انطباعاً زائفاً بالانفراج، بينما يعيد في الحقيقة إنتاج الأبراج العاجية نفسها.
ومن تعريفات البرج العاجي، أيضاً، أنه "كيان من المنطق، والعقلنة والبنى الجامدة التي تستعمر عالم الخبرة المعيشة"، حسب تعريف كيرستن برودفوت. ويخلق هذا المجتمع الأكاديمي المتوهَّم حساً بالتفرد والتفوق، ويعمل "مثل ناد حصري تخضع عضويته لرقابة مشددة يمارسها ما يُدعى (الإطار المهيمن)". وباستخدام هذه التركيبة بالتحديد، تم تكريس "هيمنة ساحقة وغير متناسبة للولايات المتحدة والعالم الغربي" على البقية. وهناك، تقوم المراكز الفكرية والأكاديميّة بخصخصة المعرفة، وينهمك المفكرون في داخل ذلك البرج العاجي في تدعيم "الرواية الرئيسة الصحيحة" عن الذات والآخر، والتي عادة ما نكون ضحيتها المباشرة بالاستعمار، أو غير المباشرة، بتصديق صورتنا في تلك الرواية عنّا، باعتبارها صادرة عن "سلطة معرفية".
الفكرة: لا حاجة للأمل في إصلاح إذا ظلّت أبراجنا العاجية بعدد المواطنين!

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   علاء الدين أبو زينة