يبدو أن الكلّ يديرون أزماتهم بالانتخابات: الولايات المتحدة، وفرنسا، ومصر، وتونس، والجزائر، وروسيا، وليبيا، والصين، والمكسيك وكوريا الجنوبية، وفي سورية أقيمت انتخابات أيضاً–في عزّ المعمعة. وهنا أيضاً، نعوّل على الانتخابات لتتويج ربيعنا الأردني. ومع أنّ فكرة الديمقراطية التمثيلية التي تجسدها الانتخابات أعلنت فشلها في تحقيق العدالة الاجتماعية، فإنّ أيّ بدائل أكثر إقناعاً لم تطرح نفسها بعد –سوى الاستفتاء الشعبي، ونوعية النظم الاستبدادية التي تفرض نفسها بالقوة في مناطقنا.
والانتخابات طبقات، يمكنها في بعض الأماكن أن تُحدث فرقاً ملموساً في نوعية الحياة اليومية. وفي أماكن أخرى، لا تتعدى كونها احتيالاً تجميلياً، يغطي بالمساحيق سوءات أشباه ديمقراطيات ممسوخة، خارجُها رُخام وداخلُها سُخام. وفي الحالة الأخيرة، يكون المشاركون المخدوعون من المواطنين مجرد كومبارسات في مسرح عبثي، أقنعوهم بأنهم هم الأبطال.
المشاركة المعقولة في صنع المصير الشخصي والجمعي، ونيلُ حصّة أفضل من كعكة الحياة، هي الأشياء الوحيدة التي تَصلُح لتبرر ظهور الناس عند صناديق الاقتراع. وقد تواضع الناس، لأسباب فنيّة، على اختيار ممثلين عنهم، يستأمنونهم على إيصال رسالتهم وخدمة مصالحهم. وفي انتخابات الديمقراطيات المتجذرة (على شبهة التعريف) يتعقب المُتابع أموراً عمليّة تخاطبها الانتخابات ومفرزاتها: سياسات خارجية تضمن رفعة البلد وتعزز رفاهه واستقلاله؛ تأمين شيخوخة كريمة؛ وظائف للعاطلين عن العمل؛ تعليم مناسب يمكن تحمل كلفته؛ تأمين صحي ميسّر؛ سيادة حكم القانون وتطبيقه بعدالة؛ تساوي الفرص والمكاسب؛ صيانة الكرامة الشخصية؛ الإحساس بالحماية والأمن من التضليل والخديعة والاستغلال، وهكذا. لكنّ الناس يُخدعون بالمرشحين، حتى في الديمقراطيات الراسخة، فماذا عنّا؟
لدينا، تبدو علاقة المطالب الحياتية المذكورة بالانتخابات ملتبسة، فلا نعرف إذا كان توفير شروط الشخصية الشعبية المؤهلة للانتخاب المجدي هو أمر سابق على الانتخابات أم لاحق لها. الآن، يتقدم الناس بأنفسهم بالمطالب المذكورة للحكومة، وهم الذين يطالبون بقانون يمكن أن يأتي بمجلس نواب متمكن يحظى باحترام باقي السلطات، ويكون شعبياً فعلاً، منتمياً إلى الناس وحريصاً عليهم. عندها، لن تكون بالناس حاجة إلى المخاطرة بمواجهة السلطات القوية مباشرة، في وجود مَن يتحدثون باسمهم –إلا إذا تعرض ممثلوهم للاضطهاد، واحتاجوا إلى قواعدهم الشعبية للمساندة. وفي تلك الحالة ستتجلّى الوحدة العضوية بين الناس ونوابهم حتماً، كما ينبغي. لكن خبرتنا مع الانتخابات ومنتجاتها لم تكن كذلك أبداً، لأسباب منها:
أولاً، تعودنا على غلَبة نوعية تترشح للنيابة سعياً إلى الجاه والمكانة أكثر من عنايتها فعلاً بخدمة الجمهور والمواجهة من أجله. وعادة ما يتذكرك أقاربك من هؤلاء ويستصرخونك طلباً لفزعة العشيرة، ثم لا يتكلفون بعد ذلك عناء شكرك بعد أخذ صوتك، وغالباً ما يترفعون عنك. وقد ظلت شروط كسب الانتخابات النيابية لديها هي نفسها تقريباً: وضع مالي ممتاز من التجارة أو الوظائف العليا؛ عشيرة ممتدة، أو حزب لا يعبر عن تمثيل وامتداد حقيقيين في الشارع؛ أو التمتع بدعم رسمي من جهات قوية في السلطة.
ثانياً، بغض النظر عن ملاءة النواب الناجحين المادية والمعنوية أو عدمها، فإنّهم يشعرون مباشرة تحت القُبّة بهشاشتهم أمام السلطات الأخرى. وقد لاحظنا غالباً أنّ تلك السلطات هي التي تفرض رؤاها على قرارات مجلس النواب واختياراته. وعلى سبيل المثال، دائماً ما نسمع في مناقشات الثقة في الحكومات أو مشاريع القوانين خطاباً ثورياً أحياناً، ثم نرى يوم الحسم نتائج مختلفة، وتكون النتيجة فوز أيّ شيء غير تزويد الشعب بمزيد من الحصة في حكم أنفسهم وتعزيز مكاسبهم. وحتى يحفظ النائب فرصته في العودة إلى ولاية أخرى، فإنه يجد من الأنفع له الاهتمام بمصلحته الشخصية واتقاء بطش النافذين. وقد رأينا مؤخراً كيفية إغلاق النواب ملفات الفساد، ووضع تحسين مكتسباتهم المادية موضع الأولوية.
ثالثاً، في الجو إحساس، ليته لا يكون صحيحاً، بأن الانتخابات -بدءاً من قانونها وانتهاء بممارستها، تظل شيئاً فوقياً منفصلاً عن الناس؛ وبأنها تُدار بأشدّ الحرص على إعادة إنتاج معادلة القوة القديمة نفسها؛ وبأنّ فهمها وتشغيلها يظلان شأناً نخبوياً، يُسند للناس فيه الدور المعتاد لصالح نفس العقليات، على طريقة: اخدمني وأنا سيدك. لكننا ننتظر أن نرى انتخابات تُحدث فرقاً نحبّه، ولا يعزز الخيبة.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   علاء الدين أبو زينة