صاحب محل البقالة الذي أدخله لأول مرة، فاتحني بلهجة شاكية. قال إنّ الأسعار كلّها مقبلة على ارتفاع رهيب. وحتى يقنعني-ولست في حاجة إلى إقناع- تناول إناء عسل، وقال لي إنّه كان يبيعه أمس بثلاثة دنانير وربع الدينار، ثم عرض الرقم الجديد على ورقة السعر: ثلاثة دنانير وخمسة وثمانون قرشاً. قال إنّ موزع البضاعة الذي تسير سيارته بالبنزين سيضيف قيمة زيادة سعر الوقود على أسعار البضاعة؛ وصاحب المصنع الذي يستهلك كثيراً من الكهرباء مرفوعة السعر، سيضيف الزيادة على السلعة؛ وهو أيضاً، صاحب المحل الذي يدفع فاتورة كهرباء وإيجاراً كبيرين، سيرفع السعر على الناس. وبعد أن انتهى من احتساب ما اشتريت -ولم ينته من الشكوى- نظرت إلى أغراضي القليلة قياساً بما دفعت، وحزنت!
وليس حُبّاً في النقود، وإنّما أسفاً على شقاء الناس الذين يركضون يومياً خلف سراب هارب لا يتعب، ويكدحون أياماً ليدفعوا ما كسبوه فيها في دقائق، ولا يشترون به أكثر من حاجيات يوم أو اثنين. وحزنت أيضاً على ثمن الحبر والوقت والطباعة التي نصرفها ونحن نحاول أن نقول شيئاً للذين يقرّرون، ولا مَن يسمَعون ولا مَن يحزنون. عندنا، ظل المواطنون دائماً هُم المتهمون بأنّهم مصيبة الاقتصاد، والعالة على الدّولة التي يضنيها "الدعم" الذي تقدمه لخبزهم ومائهم، فيُفقِرون الخزينة والبلد. ولأنّ خطابنا السائد بارع في توليف المفارقات وقلب الحقائق، يكاد الناس يقتنعون بأنهم هم العطّالون البطّالون، والكسالى الاتكاليون. فلماذا لا يتحمّلون مسؤولياتهم فيدفعوا نفقاتهم؟! وقد ضاعت المقاييس واحتار دليل الناس شديدي الأنَفة الذين لا يدخرون جهداً في الكدح، بينَ مَن يُعيل مَن، ومَن ينبغي أن يكون مسؤولاً عَن مَن!
ولَيس ما وصفتُه حتى الآن نكتة. لكنّ الطرافة قد تأتي من أكثر الأشياء جديّة. وقد كتبها الإعلام المحلي بالخطّ العريض في الأيام الأخيرة. فقال خبر: "ترجيح إقرار رفع الأسعار بعد "الثقة" بالحكومة". وقال آخر: "نواب يطالبون بتأجيل رفع الأسعار لما بعد الثقة، منعاً للإحراج"! والكوميديا السوداء في ذلك هي البساطة الغريبة التي تمرّ بها هذه العناوين، وكأنّها اتهام مُعلن للناس بالسذاجة، أو البلادة على أقل تقدير.
كيف يقولون لنا بكل هذا الوضوح: أيّها المواطنون، سنرفع الأسعار. لكننا لن ننال "الثقة" إذا رفعنا الآن، فخذوا فسحة أيام لأننا سنطبق الرفع بعد الثقة، ونفرغ لكم؟ وماذا هو مجلس النواب الذي يمنح الثقة –بتفويض الشعب طيب النية- وهو يعرف أنّ الحكومة سترفع الأسعار على الناس في اليوم التالي، ويتصرف على طريقة النّعامة والرمل؟ ولماذا نوّاب الشعب الذين وصلوا المجلس على أكتاف الشعب واثقون من الإفلات بهذه الحيلة المكشوفة من اللوم والمسؤولية و"الإحراج"؟ ولماذا يتهرّب النوّاب من استحقاق "الثقة"، إلا لإدراكهم أنّ رفع الأسعار في هذه المرحلة الحرجة ليس تصرفاً شعبيّاً، وأنّ الناس ليسوا مقتنعين –بطول الخبرة- بأنّ هذا "الرفع" سيحلّ أي أزمة ما بل سيرحلها، كما حصل مئات المرات طوال حياة هذا الجيل؟
خديعة "الرفع والثقة" هذه تستخف بوعي الناس وذكائهم حدّ النكتة. إن الناس يعرفون أنّ المواطنين في أيّ مكان لا يمكن أن يكونوا المسؤولين عن أزمات الدّول وسوء اقتصاداتها. إنّ المسؤولين، بالتعريف، هم المسؤولون، نقطة! وهم الذين ينبغي أن يدفعوا ثمن التقصير في إدارة مهام الكرسي. لكنّ أحداً لا يريد التحدث عن مسؤولية الدولة عن فتح أبواب الرزق، وهندسة اقتصاد منتج يستوعب الجميع ويستثمر في طاقاتهم. لا أحد يتحدّث عن خطة لإحداث تغيير أصليّ في العقل الوطنيّ، ونقله من السكونية والرجعية إلى الدينامية والعِلميّة. لا حديث عن انقلاب أساسيّ في مناهج التعليم وآلياته ومُخرجاته وكلفته وعدالته؛ ولا حديث عن مشروع اقتصاديّ جمعيّ يُشرك الجميع في اجتياز مرحلة المُخاطرَة، لينتج عوائد وطنية يتقاسمها الجميع؛ لا حديث عن إشاعة ثقافة تكافل وتضافر اجتماعي، تضبطها سيادة القانون وتكافؤ الواجبات والفرص، وتستطيع فعلاً أن تطفئ جاذبية الانتماءات الفرعية والملاجئ الفئوية لصالح كيان كليّ فاتن معجَب بذاته وبمكوناته.
كان أوّل وآخِر ما حُرّر في فصل "الربيع": تفريغ احتقان المواطنين برفع حصتهم من كلفة الحياة! نكتة، لكنها لا تُضحك!

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   علاء الدين أبو زينة