لا تكاد حواراتنا اليومية تخلو من تعبير مشترك عن ضيق الأحوال. الآن مثلا، هناك مصاريف الصيف مع قدوم الزوار؛ وشهر رمضان ومتطلباته، وبعده العيد ومتعلقاته. وما إن يذهب الصيف الساخن حتى يجيء الشتاء البارد، والجامعات والمدارس والملابس ورسوم التعليم الباهظة؛ وأثمان الكاز والغاز والديزل. وفي كل الفصول، هناك أجرة البيت، وأقساط البنوك، وفواتير الأطباء، وإفراغ الجيوب في البقالة والسوق. وفوق ذلك، يستجيبون لشكوى الناس برفع أسعار سلع أساسية.
هذه الأحاديث تدور بيننا في محاولة الجميع فَهم شيء يستعصي على الفهم، فنفتي في الاقتصاد والسياسة. ويعرّج المتحاورون على ذكر الاحتجاجات والاعتصامات المتكاثرة، ويعربون عن خوف مستحقّ من احتمال الانفجار وحدوث ما لا تُحمد عقباه. ويتساءل شخص عن جرأة صاحب القرار الذي يقامِر بالتعويل على صبر الناس واحتمالهم، ويشدّ خيطاً رفيعاً يمكن أن ينقطع بلا إنذار: ما الذي سينقذ البلد إذا وقع المحذور وانقدحت شرارة في مكان محتقن؟!
يقول أحد الحاضرين: اسمعوا يا إخوان. دخلتُ محلاً للهواتف الخلوية، فدار رأسي من عدد الأشكال والماركات، وعجبت من كثرة الذين يشترون ويدفعون المئات بلا رمشة عين. ثم، انظروا أنواع السيارات، والبهارج والعمارات، ورواد المطاعم والمولات. والله لم نعد نعرف هل نحنُ دولة غنية أم فقيرة، ولا نعرف إذا كان الحال سيئاً أم أننا نحن الشكاءون!"
يقول آخر: "يا أخي، عندي وعندك سيارات، لكنا مَديونون! يا جماعة، منذ وعينا على الدنيا وكلفة الحياة ترتفع. كل مرة رفعوا البنزين والكهرباء وكلّ شيء، ولم يتحسّن شيء. هل ترون رفع الأسعار يسد عجز الموازنة ويفقأ الورم، أم أنّه تلبيس طواقي وتأجيل مصيبة؟ وإذا كانت الجهات التي تُقرض الأردن وتمنحه ستفرح بهذا الإصلاح الاقتصادي من جيوب الناس، هَل سيستخدم جماعتنا الأموال الجديدة حقاً في خلق وظائف للشباب واقتصاد حيّ منتج؟ هل سنشاهد مرّة في العمر تخطيطاً استراتيجياً واضحاً يخبرنا من أين سنأكل بعد عشر سنوات، خمس، شهرين؟ هل نحنُ مسؤولون عن الاستهلاك الطاحن، أم أنّ ثقافة الاستهلاك شأن عام ينبَغي أن يُعالج بسياسات دَولة؟".
يقول ثالث: "القصة يا أخي ببساطة، مثل صديق يستدين منك ألف دينار ويقول إنه سيفتح بها بقالة يعيش منها ويعيد إليك نقودك، لكنه يصرف النقود على ملابسه ويشتري أثاثاً لبيته ويعطي شيئاً لزوجته وأولاده. ثم تذهب السكرة وتأتي الفكرة، فيعود فيستردّ من أبنائه باليسرى ما أعطاه باليمنى، مع وعد بالتعويض أضعافاً. وبعد ذلك، يعود فيطلب منك ألفاً أخرى، وهكذا. وأنت إذا أخطأت فأقرضته مرتين، فإنك لن تقرضه الثالثة. وإذا عجزت عن التهرب منه وحشرك فصارحته، فإنك ستقول له إنّه غير رشيد ولا عنده سياسة؛ إنّه كان ينبغي أن يؤجل البهرجة ويفتح البقالة لتأمين مصدر رزق دائم لعياله، ويبذل فيها جهده، ولن يلومه أحد إذا اجتهد وفشل. أمّا أن يُدير شأنه يوماً بيوم ولا يعرف ما يصنع غداً، فستجوع عائلته فيقل احترامه، ويتخبط؛ وسيكون الارتياح المؤقت بالدّين وبالاً عليه وعليهم".
قال: "يا إخوان. رأينا دولاً تبيع الهواء. هناك من فكّروا وباعوا الصحراء بالملايين، وحولوا التراب إلى أبراج وطرق وحركة وتجارة، وجعلوا الجميع يُعيلون الجميع وخلقوا دورة اقتصاد من العدم. ونحن لدينا أكثر من الهواء: عندنا ناس مكافحون وطموحون؛ وبنية أساسية لسياحة معقولة، ومناخ وتضاريس متنوعة جميلة؛ وكانت عندنا بوادر تعليم نوعي؛ وشهدنا طفرات انهالت فيها الأموال على البلد، فصرفوها في المظاهر. وهناك سياسات "تطفيش" للاستثمارات والكفاءات. لماذا هربت مصانع تشغل المئات إلى مصر؟ أين ذهب مشروع المدينة الإعلامية؟ ماذا حدث لاستثمارنا في التعليم؟ ماذا حدث للفنّ والثقافة؟ أين تذهب الكفاءات الرصينة؟".
قال: "تصوروا يا إخوان أن يكون صاحب مشروع البقالة هو عقل الحكومات التي تدير الدولة! لا عجب أن يقول خبراء دوليون إن سجل التنمية في الأردن ظل فاشلاً طوال 30 عاماً، لأنّه أهدر طاقات إنسانه، وضيّع الفرص، ولم يخطط، ولم يشتغل بإعادة هيكلة مؤسساته، ولا طور حاكمية ولا ديمقراطية ولا مَا يحزنون!".
سأل واحد: "وماذا بعد يا أستاذ؟".
قال: "يكون كذّاباً من يزعم المعرفة. والله لا أدري!".

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   علاء الدين أبو زينة