لم ننتبه كثيراً لمرور "يوم مانديلا" يوم الأربعاء الماضي، مع أن يوم مانديلا عالميّ ورسميّ، ويتعلق بالحبّ أكثر من يوم "فالنتاين". وكانت الأمم المتحدة قد أعلنت 18 تموز (يوليو) من كل عام يوماً رسمياً لتشريف ذكرى ميلاد الزعيم الجنوب إفريقي، وتكريم إرثه وقيمه النضالية من خلال اشتراك الأفراد في أعمال طوعية لخدمة المجتمع. وقد نصت رسالة يوم مانديلا على فكرة جديرة بالاهتمام: "لقد ناضل نيلسون مانديلا من أجل العدالة لمدة 67 عاما. ونحن نطلب إليكم البدء بتخصيص 67 دقيقة (لمثل ذلك). وسوف نتشرف إذا استطاع هذا اليوم أن يخدم في ضم الناس في العالم معاً لمحاربة الفقر وتعزيز السلام والتصالح".
وفي الحقيقة، ليس كثيراً على الإنسان تخصيص ساعة وسبع دقائق (67 دقيقة) من سنة كاملة لعمل شيء خيري واجتماعي. ولو حصل وأن التزم البشر جميعاً بتخصيص مثل هذا الوقت لتطبيق قيَم مانديلا، لتجمع وقت معقول لترميم شيء من العدالة الكونيّة المغدورة، قوامه هذه الدقائق مضروبة بعدد سكان الكوكب، وسيكون ذلك جميلاً. وسيكون الأجمل، لو توقف هؤلاء كلهم وفي وقت واحد لمدة 67 دقيقة عن الشرور: لو أوقفوا المعارك، والتعذيب في المعتقلات، وكفوا أيديهم عن سرقة مقدّرات الآخرين؛ وفكروا نحو ساعة في شيء غَيريّ غير التآمر!
كانت ساعة وسبع دقائق من الخير العالمي لتغير الكثير جداً من أقدار البشرية. لكنّ هذا الوقت القصير من الإنسانية الصرفة في عمر الكائن، والذي لا يُذكر في عُمر البشرية، أصبح اقتراحاً مفرطاً في الطوباوية. وفي الحقيقة، يمكن أن يكون العالم وادعاً ساعة من الزمن فقط في فيلم خيال علمي، يهمد فيها ناسه وتحبس فيها شياطينه. لكن "الفنيّ" يتمدد في عصر الطائرات بلا طيار على مقعد مكتبه الطويل ويسمع سيمفونية، بكامل الدعة، فيما تقتل طائرته المبرمجة محتفلي عرس غافلين في مكان بعيد. ويبتسم رجل أنيق بحقيبة "سمسونايت" لموظفات المصرف بوداعة، ثم يقفل صندوق ودائعه على حصة مليون طفل يموتون عذاباً ببطء في بلد إفريقي. وفي حفلة شواء في حديقة خلفية، يُبرم رجلان مرحان يتبادلان الأنخاب صفقة سلاح، ويقرران وسيلة موت رجل ينام مطمئنا بين عائلته –ربما برصاصة في مشاجرة عائلية. وهكذا، تشترك نشاطات أبعد ما تكون عن الشبهة، في مؤامرة قاتلة على أقدار أناس غير مذنبين.
كثرة الهزائم الكبيرة التي تلحق يوميا بقضية العدالة، وتضخم جماعة مضطهدي العالم وساخطيه وجائعيه كل دقيقة، تدفع حتى بعض أكثرنا حُسن طويّة إلى أن يهزّ: "هل أنا مَن سيُصلح العالم؟ هل سأفعل شيئاً حقاً في 67 دقيقة من العمل المجتمعي؟". وقد فكرّت أنا شخصياً بما يمكنني فعله في ساعة وسبع دقائق لأستجيب لرسالة مانديلا: ماذا أفعل؟ هل أكنس الرصيف أمام منزلي؟ هل أشتري لعبة من الشاب الذي يتسول بذريعة التجارة على الإشارة الضوئية؟ هل أمدد وقت كتابة مقالي إلى 67 دقيقة بالتمام والكمال وأزعم المشاركة في خدمة مجتمعي بالتنوير؟ وفكرت أخيراً بأن أتفقد دليل هاتفي، وأتصل طوال ساعة وسبع دقائق بأصدقائي لأقول إنني أفتقدهم وأحبهم، وأعتذر إلى من أسأت إليه منهم، وأدفئ شيئاً علاقة تجلدت مع أحدهم لسبب تافه في أحسن الأحوال. وقلت: سأكون سعيداً جداً إذا عاد إليّ الأثير بسعادة سربتها إلى نبرة صوت صديق.
هل يكفي؟ قد يقول واثقون بسعة مخزونهم من الحبّ والعدالة، إن ساعة وسبع دقائق لن تكفي لتوزيع ما لديهم منها على أحد. حسناً، ثمة شهر رمضان الذي دخل قبل يومين، برمزية ربما تزيد في شموليتها وعظمة رسالتها عن رمزية خبرة مانديلا. فليفعل الإنسانيون لدينا شيئاً بالثلاثين يوماً. ولكن، ألم نختزل معناه إلى الاستهلاك، و"خدمة المجتمع" بالكسل والعصبية ومشاجرة الهواء، وممارسة الوصاية على إيمان الآخرين والتزامهم؟ ألم نسطّح الصيام إلى جوع طقوسي وشرط اجتماعي ينبغي جبر الناس عليه بالعصا والتقريع؟ و، هل نخصص -حتى 67 دقيقة- منه للتأمل الجوهري في القيم النضالية والعملية والخيرية التي يشكل فكر مانديلا جزءا منها؟ هلا خدمنا المجتمع بالتوقف 67 عن التآمر على أنفسنا وإنسانيتنا، ولأجلنا نحن في نهاية المطاف؟

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   علاء الدين أبو زينة