في تحليله للبدائل المصرية في حمى الانتخابات الرئاسية، كتب الصحفي البارز روبرت فيسك: "ثم هناك المسألة الواضحة: من هو الطرف الذي تود واشنطن أن تراه في السلطة..."، وكان يشير بذلك أولاً إلى تأثير الولايات المتحدة في المعادلات الداخلية للدول العربية، وثانياً إلى أنّ اختيار واشنطن سيحدد الطرف الأكثر انسجاماً مع مصالح أميركا وإسرائيل، والأبعد حتماً عن احتمال إفادة الثورة. هذه "المسألة الواضحة" -الشيء أو الطرف الذي تريده واشنطن، تصلح مقياساً كثير الدقة لمساعدتنا في حسم خياراتنا حين يرتبك المشهد: انظر ما تريده واشنطن واختر نقيضه، لأنّه سيكون في مصلحتك. وبالخبرة الواضحة، ينبغي وضع علامة استفهام كبيرة حول الصحة العقلية أو صدق نوايا الذين يشركون واشنطن في تخطيط الشأن العربي، ويبتسمون وهم يصافحون مسؤوليها أمام الكاميرات.
وليس هذا اكتشافاً -أو أنه لا ينبغي أن يكون كذلك- في ضوء معرفتنا بالتناقض الحتمي بيننا وبين المركز الإمبريالي الذي استهدف الشعوب العربية ومصالحها بالعداء منذ تسيّد العالَم. ويتغابى من يتجاهل التزام الولايات المتحدة بدعم نموذج الحاكم-الفرد التابع، الذي يفعل بالضبط ما تريده واشنطن: مصادرة إرادة شعبه واستعباده وخنق طاقاته. ويخون كل قيمة وطنية وإنسانية من يتعامى عن دور واشنطن اللاأخلاقي والإجرامي في إعاشة وتسمين الكيان العدواني الاحتلالي في فلسطين، والتغطية على جرائمه المدانة بكل المعايير في حق 12 مليون فلسطيني، بالإضافة إلى تسميم كامل المنطقة وتثبيط نهوضها.
واشنطن، بالتعريف، هي مؤسسة القرار الأميركي المكونة من: المجمع العسكري-الصناعي الرأسمالي الذي دِينُه ديناره؛ والعقل السياسي الانتهازي بالغ الاستبداد الذي يعتبر المصلحة القومية لأميركا النقيض الطبيعي لازدهار أي شعوب تنطوي على إمكانية التقدم والمنافسة على النفوذ والثروة العالميين؛ واللوبي الصهيوني البارع في شراء القرار السياسي الأميركي كله. وقد تأسست استراتيجية واشنطن للهيمنة، أولاً، على احتكار القيم التي نشأت عليها أميركا وازدهرت: العدالة والمساواة والديمقراطية، وحرمان كل الآخرين منها باعتبارها وصفة للنجاح، ثم تحول ذلك أخيراً إلى تكييف معنى هذه المفاهيم لخدمة توليفة السلطة المذكورة ومحيطها الأوليغاركي الشره، حتى على حساب المواطنين الأميركيين أنفسهم، كما بيّن السخط الشعبي الأخير هناك.
لا حاجة للتأكيد على أنني لا أسرد شيئاً غير معروف تماماً، لكنّ الداعي للتذكير هو تصاعد أصوات عربية –جاهلة أو انتهازية- تتذرع بالبراغماتية والميكيافيلية. ويبرر هؤلاء دعواتهم إلى التدخل الأميركي في المنطقة، والتعاون المفضوح والخائب مع الأميركيين الرسميين، بالتكتيك المرحلي ووحدة المصالح والواقعية. لكن الأصل في البراغماتية والميكيافيلية هي أن يكون التحالف التكتيكي مؤقتاً ومرهوناً بظرفه، بحيث يمكن فك الارتباط لدى تحقيق الغاية. وفي الأثناء، ينبغي العمل بمكر وبلا حسن نية على تسريع الظرف المناسب لتحرير الإرادة والخروج كاسباً. فعلى أيّ قوة مخبأة، أو مكر تكتيكي أو استراتيجي وحنكة سياسية، تراهن جماعة "التحالف" مع أميركا؟ أليس من الحتمي أنَها تنفذ –في الوسيلة والغاية معاً- إرادة الطرف القوي محترف الإخضاع والمالك لكل أدوات القوة؟ وهل يمكن لعاقل أن يقول –وهو يصدق نفسه ويريد إقناعنا- إن أميركا تعمل برهة لصالح ازدهار الشعوب العربية وتحرير طاقاتها وإرادتها؛ بمعنى إخراج جسم حضاري هائل الموارد والطاقات من دائرة النفوذ الأميركي، وتحويله من تابع مستهلك إلى منافس؟
الاتجاه الذي يروج لإحضار الدب إلى البيت، يخرّب أمل شعوبنا بالتحرر ويربك ذهنها، ويكرس إحساسها بالدونية وحاجتها دائماً إلى معونة بطريرك كبير. وإذا كانت مشكلتنا الأساسية هي التناقض الحاسم بين الشعوب وحكامها السلطويين ونخبها السارقة، فلا معنى للتعمية على التناقض الأكثر أساسية مع راعي هؤلاء وكاهنهم الأكبر، رأس البلاء الإمبريالي المعادي
–بنيوياً- لأيّ نهوض في أي مكان من العالم التابع. وإذا كان هناك من العرب مَن يرى نفسه "صديقاً" لواشنطن، فإنه يحتال بألعاب اللغة على أوصافه الحقيقية: عميل، تابع، نادل مائدة، أو بائس مضطر للأكل بثدييه في أحسن الأحوال.
ما يمكن أن تريده واشنطن للعرب، فقط، هو ضمان استبدالهم الرمضاء بالنار. فإذا تشوشتَ واختلطت عليك الطرق، استشر واشنطن، واذهب مطمئناً في الوجهة المعاكسة إذا أردت السلامة. وإذا أغوتك فصاحبتها لتدلك على الطريق، فتحسس رأسك!

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   علاء الدين أبو زينة