في الحياة أشخاص ينشئون رُكناً تأسيسياً في معمارنا الشخصي، ونجدهم دائماً هناك كلما تفقدناه. وكنت أزور الراحل سحبان خليفات الذي انتقل الأسبوع الماضي إلى رحمته تعالى  –وما أكثر ما زرته- كلما حكمتُ بنسبية الصواب والخطأ، أو انشغلت بدقة المفردة وتساوق الأطروحة. وعلى المستوى السلوكي، تذكرته كلما رأيت كيف تجبُّ النتيجة الصحيحة تفاوُت المقدمات، وكلما وجدتُ أنّ إلجاءك الناس إلى المواربة معك والاحتيال عليك هو خطأ فيك أنت أيضاً.
تعلمت من سحبان خليفات للمرة الأولى، الفكرة التي أصبحت لي فلسفة حياة بعد ذلك: "إن الأحكام الأخلاقية هي أحكام معيارية". ومنه فهمت أنّ ما تراه أنت غير أخلاقي أو غير صائب، لا يكون بالضرورة كذلك لشخص آخر، ومن زاوية أخرى، فلا تظننّ أبداً في رأيك مطلق الصواب، واعتبره فقط واحداً من الخيارات، لا غير. وهذا هو أساس فكرة قبول الآخر المفصلية، التي تؤسس لحريتك في تبديل مكانك، لترى الموضوع من مختلف زواياه وأبعاده، فتعرفه كما هو، كما ينبغي.
وكنت درست على سحبان خليفات مساق "فلسفة الأخلاق" في الجامعة أواسط الثمانينيات. وبدا في المحاضرة الأولى صارماً صعب الطبع. وبادرنا الحديث بشيء لم نكن نألفه حينذاك. قال ما معناه إنّه لن يتفقد الحضور والغياب ليحرم طالباً أو يعاقبه مثل بقية الأساتذة. قال إنه لا يحبّ أن يحتال عليه طالب بتقرير زائف يشتريه بدينار ليبرر غيابه. قال إنه معنيّ فقط: بالتحصيل. وعندما اشتبكنا مع مفهومات الأخلاق المجردة: الصواب والخطأ؛ الضمير والإرادة؛ الأخلاقي واللاأخلاقي وغير الأخلاقي، والحدوس وما شابه، لم نكن نفلت من أسئلته المتعاقبة كلما أدلينا بمداخلة. كان يفكك عباراتنا كلمة كلمة، ويسألنا: ماذا عنيت؟ ما قصدت بهذه الكلمة؟ لعلك قصدت كذا أو أردت كلمة كذا؟ وباختصار: جعلنا نحرص على تجنب الإنشاء واللغو. وقد صحبني منذئذ هوس المفردة، والشك الدائم في وضوح النص ودقة الدلالة، وشغف الإحاطة بالمفردات وتعقب الفروق الضئيلة بين المترادفات.
في مادة الدكتور خليفات تلك، وعلى سجية الشباب النزق، أحببتُ فكرة عدم تفقده الغياب وتغيّبتُ ما تيسر. وهكذا، فاجأني الاختبار الأول بعد غياب بلا تحضير. وكان السؤال -إن لم تخني الذاكرة: "ما علاقة علم الأخلاق بعلم الاجتماع؟" فأجبت من خاطري –بلا حفظ ولا استظهار شيء. ولم آمل وقد كتبت لا أكثر من ثلثي صفحة صغيرة أن أحرز نجاحاً عند أستاذ دقيق صارم. لكنني تفاجأت بالعلامة شبه الكاملة، وتعجبت من تقدير أستاذي لمقاربتي، وكيف أنه لم يعاقبني، كما يفعل آخرون –بل كافأني على عدم نسخ دفتره واستبداله بتصوراتي.
وبعد ذلك فوّتُّ الامتحان الثاني أيضاً لظروف خاصة، ولم أستأذنه في ذلك. وفي يوم الامتحان النهائي، سرت إلى جواره في الطريق إلى القاعة، وقلت له متهيباً إنني تغيبت عن الامتحان الثاني، بلا عذر ولا تقرير طبيب. ففاجأني أيضاً. قال ببساطة: "قدم الامتحان. فإن أحسنتَ نرى موضوع الامتحان الثاني. وإلا فلا تلُمني". وقد رأيت ذلك عادلاً. وأذكر أنّ السؤال الأساسي كان عن "أخلاق الواجب عند كانط". وكتبتُ، وغادر الزملاء وظللت أكتبُ، والأستاذ ينتظر انتهائي من الإجابة بصبر. قال فقط: "كأنك دارس كويس؟".
وقد نجّحني –ولا أقول نجحتُ- وبالعلامة الأعلى، ولَم يعنِه أمر الامتحان الثاني. وبغير تقديره هو، كنت لأتحدث الآن عن رسوب مدوٍ بسبب عدم الالتزام بحَرفية القوانين وبرؤية الأستاذ معاً، وهي النتيجة المضمونة مع معظم "الأساتذة" الآخرين. لكنّ المسألة بالنسبة للدكتور خليفات -الذي لم يكن صديقي ولا أعرف عنه أي شيء شخصي- لم تتعلق بالشكليات. كانت المسألة بالنسبة إليه، ببساطة: هل فهم الطالب؟ هل يُحسن التعبير عن قصده؟ هل انفتحت مخيلته؟ هل أقام علاقة منطقية مع موضوعه واستوعب مفهوماته بحيث يستعملها بعد ذلك؟ هذا هو المهم. هذا فقط.
ولم أر أستاذي الراحل سحبان خليفات قبل ذلك المساق ولا بعده رأي العين. لكنني عرفت منه أن العنب أهمّ حتماً من مُقاتلة الناطور؛ وأنّ إعطاء الفرصة لتصحيح الخطأ أنفع من الانتقام. وتعلمتُ منه مرونة العقل وكراهية الدوغما. وفي الحقيقة، أنشأ سحبان خليفات ركناً في نفسي أراه فيه كما عرفته –رحمه الله.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   علاء الدين أبو زينة