العودة إلى المنزل أمس، في زحمة السير الممضّة، كانت خوضاً في حقل ألغام. وقد انطوى كل متر على احتمال حادث سير، وتطلب تجنب ذلك مناورات بهلوانية أحياناً، وإطلاق بوق التنبيه بعلوّ الصوت أحياناً أخرى. وكنت أنقل أنظاري بين المرايا الجانبية والداخلية، لأجد عدداً غريباً جدّاً من السواقين
–والسوّاقات- منهمكين كلهم في أحاديث بالهواتف النقالة. وقلت لرفيقي الجالس في المقعد الأمامي إلى جانبي: أنظر كم هُم الذين يقودون وهم يتحدثون بالهاتف! كأنّنا في فيلم غرائبي! وفي تلك اللحظة، كادت تدفع بي إلى الجزيرة الوسطية سيدة في "مرسيدس" خضراء قديمة، تعقد على رأسها منديلاً أخضر (مثل الجهاديين)، وتضع نظارات شمس كبيرة سوداء. ولم يصرفها "زامور" الاحتجاج عن التركيز في الدردشة مع الجليس على الطرف الآخر من الهاتف.
لكنّني لم أسلَم -مع ذلك- يا حفيظي السلامة. فعند انعطافي يميناً إلى المخرج المنحني من شارع المدينة إلى شارع الجامعة، مالَت عليّ سيارة جيب سوداء كبيرة انعطفت معي فجأة. وبعد إطلاق المنبّه بأقصى الطاقة، أصبحت تسير خلفي في الطريق الضيق. وقلت لرفيقي وأنا أنظر في المرآة: "الله يستر من هذا الآخر الذي يتحدث بالهاتف". وما إن وصلنا إلى قاع المنحدر وتوقفت لأستطلع الشارع، حتى: طاخ...! ونزلت ومعي العصبية. وخلفي نزل السائق الذي كان بعيداً ورائي بضعة مترات وهاتفه في يده، وقد أراح هو الآخر نظارته السوداء على رأسه الحليقة. وهتف بلهجة متعالية غير ودودة من حيث هو: الحمد لله على السلامة! ولم يبد مهتماً بمعرفة ما إذا لحق ضرر بسيارتي الصغيرة
–وربما لم يجد طرازها وسنة صنعها يستحقان الاهتمام مثلاً- وإنما بدا متبرماً من انقطاع انسجامه الهاتفي، وكأنني أنا الذي أزعجت حضرته. وفي الحقيقة، لم يحدث ضررٌ بسبب بطء السرعة. لكنني هتفت به وقد وضعت يدي على أذني، وبعصبية أيضاً: يعني لازم التلفون يا بيك؟! ووجدت من الأفضل العودة إلى عربتي والمواصلة إلى وجهتي اختصاراً للشر!
الخلوي؛ الجوال؛ المحمول؛ السيليولر؛ الموبايل! كتب عنه الكثير من طلبتي في الإنشاء عندما طلبت رأيهم في منجزات التكنولوجيا: "لا أستطيع العيش بلا هاتف خلوي"! رحم الله جدودهم، كيف عُمِّروا وتدبروا أمر العيش بلا خلوي ولا أرضي! لكنّ لكل زمن طباعه، ولا غرو! وفي الحقيقة، أصبح الهاتف المحمول معدوداً في أعضاء الجسم الحيوية عند جيل "البلاي ستيشن". فإذا فقده الواحِدُ فقد صوابه –لا أقل. ومعه حق: فإذا ارتدتَ مجلساً أو مقهى، وجدت الجالسين فرادى منكبّين بكامل التركيز على محاورة الرفيق الصغير. وأحياناً، يكون الواحد بين جماعة عاكفاً على شاشته –أو تكون الجماعة كلها منشغلة بتكبيس الأزرار! فكيف تفعل بلا محمول؟!
وفي المنزل -إذا صادف واجتمعت العائلة- يتسامر كلٌّ وهاتفه، وقد يتبادلون عبارات مقتضبة –واقعية- وسط التواصل الافتراضي والرياضة الهاتفية. وفي الاجتماع الصباحي، يستعرض المسؤول عناوينه من هاتفه، ويتصفح بريده ومواعيده واقتراحاته، مستقطعاً نظرات متباعدة إلى مستمعيه لأجل "لغة الجسد". وفي الليل، تحت الغطاء في السرير، تتلألأ الشاشات عندما يلمّ بالنائم ذلك الطائف السري، فيرشده إلى تفقد حسابه في "الفيسبوك" أو "الإنبوكس"، علّ شيئاً يكون قد وصله مما لا يمكنه الانتظار حتّى الصباح! ومرة، أرسلت لي زميلة تستفتيني في سؤال برسالة خلوية من قاعة الامتحان!
الأصل في الهواتف النقالة أن تخدم وتفيد. لكنّ كلّ شيء يزيد عن حدّه، ينقلب إلى ضدِّه. أو، هكذا يفترض الجيل المتوسط من أمثالي، والجيل الأعتق طرازاً -أو أننا "حنبليون" زيادة عن اللزوم. والتعلق به تعبير ثقافي عن ازدراء الوقت، والقوانين، والآخرين. وأنا أغتاظ حين أشاهد فيلماً مع أبنائي، وأدلي بتعليق بأمل استدراج تعليق، فأجدهم سارحين في ملكوت هواتفهم، وقد يجاملون بجواب بلا روح ولا صلة بمقدمات. أو حين أناقش شيئاً أظنه مهماً، مثل دراستهم أو شغلهم ومستقبلهم، فيستمعون بربع أذن وأنظارهم مخطوفة كالمجذوب إلى العفاريت الصغيرة في أيديهم. وأقول مستسلماً: والله قد يكون العَيب عندي أنا الذي لم أتحضّر، فأحاول استكشاف السِّحر العُلويّ في هذه القطعة الإبداعية من التجلي البشري! أما قيادة السيارة بغير الخلوي على أذنك، فغرام بالجدية والنكد، وإملاق في المهارات!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد علاء الدين أبو زينة