رجل كهل قصير ذو لحية بيضاء كثة وشعر شائب، التقيته في أحد الأمكنة قبل أيام، يشكو. قال شيئاً من قصّة بدت لي مألوفة تماماً. فهمت أنّه يتقاضي مائة وخمسين ديناراً من "المنظمة"، "السلطة"، أو من جهة فلسطينية ما، يدفع منها مائة وعشرين ديناراً أجرة البيت، والثلاثون الباقية لا تكاد تدفع فواتير الماء والكهرباء. قال إنه يتلقى هذه "الهبة" لقاء ستّ سنوات قضاها في سجون العدو، وتعويضاً عن جرح ناله في مكان ما في اشتباك ما. وعندما ذكر أحد الموجودين أسماء أشخاص يعرفهم من المسؤولين عن توزيع "الهبات"، دعا الرجل عليهم من قاع قلبه.
قال الرجل إنّه أخطأ عندما أهمَل عرضاً للعمل في وكالة الغوث أيّام التحق بالثورة. قال إنه لو قبِل بذلك العمل، لتقاعد الآن بمبلغ لا يقل عن مائة ألف دينار، لكنّه اختار بيع بيته والتحق بالمقاتلين. قال إنه "يستأهل" ما حصل معه وما آل إليه، لأنهم باعوه وأضاعوا فلسطين. قال إنّه لو بقي في الوطن، لما أصبح فقيراً، ولكان سيأكل من أرضه ولا يدفع إيجار منزل. قال إنّ الإنسان لا يمكن أن يجوع في وطنه. قال إن البعض "الله لا يبارك فيهم" يقبضون الآلاف ويعيشون عيشة الأمراء من مهنة "الثورة"، وهم الذين لم يحملوا يوماً بندقية، ولم يسكبوا نقطة دم، ولا ذاقوا طعم الحبس دقيقة في زنازين العدو. وقال أكثر.
وأعترف.. كنتُ أقف وأستمع إليه بعد أن ابتعد الآخرون، وأنا راغب في الهروب منه بدوري. خجلتُ لأنّني لا أملك حلاً لمشكلته، ولأنّ ملابسي أرتب من ملابسه، ولأنني أطول منه قامة. قلتُ له كلمات معزيّة لا تُسمن ولا تغني من جوع. قلتُ إنّني أصدّقه وأعرف ما يقصده ويعانيه. ثم استأذنت سريعاً وغادرت. أحسستُ بأنّي معنيّ بمحنته بطريقة لم أستطع تحديدها. ربّما لأنني صادفتُ أقداراً أفضل من أقداره، ولم أضطر إلى الدّوران بحثاً عن المعونة سيراً على الأقدام تحت الشمس، مع أنّني أقاسمه مصدر الوجيعة. ميّزت شعوراً واضحاً فقط: السُّخط!
عرفتُ أنا أيضاً شخصاً كان يعمل مُدرساً، وبنى عمارة من ثلاثة طوابق في الثمانينيات. من أين؟! قالوا: يعمل مع "المنظمة". ولم أعرف ماذا يعمل. وعرفت آخر انتقل من بيت كله غرفة واحدة، إلى مالك بيوت وسيارات وزوجات، لأنّه أصبح مسؤولاً في "السلطة". وسمعت عن مناقشات الكونغرس الأميركي الذي قال حقاً –ولو أنه أراد به باطلاً- عن اختفاء الأموال التي يرسلها لتحسين أحوال الضفّة في جيوب "المسؤولين". وانتبهت إلى الخبر الذي نُشر الشهر الماضي عن الأسيرة المحررة عبير عودة، التي قضت تسع سنوات في الأسر، ثم حاولت إحراق نفسها مؤخراً وسط مدينة رام الله، احتجاجاً على الأوضاع الصعبة التي يعانيها الأسرى المحرّرون، بلا دعم مادي ولا معنوي. وقالت عبير لقناة عربية إنها طلبت –عقب الإفراج عنها- صرف مستحقات لعلاجها من القروح الجسدية والنفسية التي خلفها عليها الأسر، لكن أسبابها لم تقنع مسؤولي وزارة الأسرى والآخرين.
أوضاع "الثورة" الفلسطينية صعبة؟ نفهم! المانحون يتأخرون في الدفع للسلطة؟ صحيح! لكنّ الأوضاع ليست صعبة على الجميع فيما يبدو. وربّما لم تكن صعبة أبداً على البعض في كل الأوقات والمراحل. ربّما كانت وظيفة مسؤول في "الثورة" الفلسطينية -وما تزال- أفضل وأكثر ترفاً من أيّ منصب سلطوي في أيّ مكان آخر. ففي الأخير، يحمل المسؤول الذي يكسب ثروته من "الثورة" لقب "مناضل"، ويكون لديه ألف سبب يُقنع به ضميرَه الخاصّ بأنّه يأخذ قسمته فحسب، وهو الذي يتحمّل مسؤولية تحرير شعب، ويقاتل الشياطين والقرود حتى يستعيد له الحقوق.
الحسرة على الذين ذهبوا ويذهبون بصمت. وكأنّ الذي يقضي سنوات في الأسر لم يعرَق ولم يُناضل. وكأنّ الذي تصيبه رصاصة أو قذيفة فتقعده لم يتحمّل المسؤولية عن تحرير البلاد والعباد، أو أنّه ينبغي أن يُكمل معروفه ولا يتقاضى "أجرة" عن أداء واجبه الوطني. أو أنّ عمله النضالي لم يكن راقياً و"قدّ المقام"، فيستحق المكافآت الكبيرة؟!
لطالما أحببت كثيراً أغنية فرقة العاشقين: "ورده، لجريح الثورة". لكنّني أفكر الآن: "لكن الجرحى لا يأكلون الورود"!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد علاء الدين أبو زينة