وسط زحمة السير العجيبة التي تهاجم شوارع عمان صباح مساء، يُداور بعضنا الضجر على الطريق بحديث لا لزوم له على الهاتف الخلوي، أسهل طريقة. وآخرون، يسرحون ويفكرون في الهمّ الخاص والعام، وما أكثره. بعضهم أصبحت السواقة عندهم عملاً ميكانيكياً بطول المراس، فيتدبّرون أمر وصولهم آمنين؛ والبعض يصرفهم انشغال الذهن عن الطريق، فيصنعون حوادث السير. هكذا تشارك ضغوط المعيشة في توليد المزيد من المشكلات: تكثير حوادث السير وزيادة الكلف العصبية والمادية.
وفي زحمة السير الخانقة هذا الصباح، لم أتحايل على الضيق بالهاتف، فاصطادتني الهواجس. ويا للفوضى التي اصطخبت في داخل رقعة الدماغ: أماكن، وجوه، حوارات، أشواق، مراجعات لأشياء حدثت بالأمس وأخرى قبل عشرين سنة، توقعات لما سيحدث اليوم وبعد سنة، وقراءة في الواقع المحلي، والعالمي، والعائلي والوظيفي...  
وكما هي عادة العقل البشري الذي يتحرك بلا منطق مفهوم، ويضعنا –أو يضع نفسه- أمام محاولة العثور على الصلة، صعدت فوق كل الأفكار المتدافعة المصطخبة أغنية. (جميل جدّاً أن تختفي كل أصوات الفوضى التي تشدُّ الأعصاب وراء أغنية؛ أغنيّة كأنّها تريد أن تقول لك شيئاً وتلخّص لك أفكارك). المهم: أصبح الواضح والعالي فوق كلُّ شيء هو لحن أغنية فرقة "الأرض" القديمة الذي أغراني بالإنشاد: "الحضاره يا جيفارا في المزاد، وانتَ صاحي... واللي بيزاود عليها الأمريكان... واللي بيدلل عليها الأمريكان.. واللي عايز يشتريها الأمريكان.. وانت صاحي..."
ما علاقة الأمريكان بزحمة السير والتشاغل عنها بالتفكُّر؟ في الحقيقة، هناك علاقة. فكِّر فقط في ظرفك في أيّ لحظة وتأمل ما أنت فيه، وستجد للأمريكان يدا فيه. وبالنسبة لي، ليس صعباً أنْ أتعقب علاقة الأمريكان بوجودي –مهموماً- في هذه الزحمة، في هذا الصباح، في هذا الشارع، في هذا اليوم والتاريخ. لكنّ الموضوع الذي أفكر فيه ليس أميركا بالتحديد، وإنما "الحضارة."
الحضارة! هذا المفهوم الذي أعيا تعريفُه اللغويين والباحثين ويظلُّ جَدلياً كعادته، فكّرت فيه بطريقة بسيطة ومعقدة. تذكّرت تعريفه الشائع: إنه شيء لتمييز "المتحضرين" عن البرابرة، الهمج والبدائيين. وفي سياق معاصر، كما يمضي التعريف، "لتمييزهم عن الشعوب الأصلية، والمجتمعات القبَليّة". وقد فاح التعريف "الحضاري" بالعنصرية: لَم أفهَم المقصود بالشعوب الأصلية. هل قصد واضع التعريف المتحضر الهنود الحمر، وسكان المستعمرات القديمة والجديدة في العالم الثالث، والأفارقة؟ لكنّني فهمت الجزء الخاص بالمجتمعات القبَلية. لكنني -على الصعيد الفردي- أفهَم الحضارة بأنّها الرقي –لا أجد كلمة أفضل- في الظهور الأخلاقيّ والسلوكي، بقدر ما يفترق ذلك عن الشرّ والوضاعة وإلحاق الضرر بالآخرين.
والمزاد! الأشياءُ تُباع بالمزاد، عندما يُفلس أصحابها ويعرضون فيه ما لديهم تباعاً، من الرخيص إلى النفيس. وهم يبيعون أشياءهم بالمزاد أيضاً حين تصبح "أنتيكا"، تنفع فقط للمتاحف ولا تُستعمل. والأميركان نفسهم، صنّاع الحضارة الأخلاقية كما يقولون، عرضوا قيمهم العالية في المزاد من أجل استبدالها بالقيمة المادية، وصارت القيَم الروحيّة لديهم "أنتيكا" فائضة. ونحنُ الأفراد، نفلِس فنضع ما قد يكون لدينا من حضارة، بهذا المعنى، في المزاد أيضاً. يطحننا الاستهلاك، فنستمرئ الانتهازية. يغضبنا نجاح الآخرين، فنتآمر عليهم؛ نغار من صفاء حبيبين، فنتقمص دور شيطان الفراق، وهكذا. 
فكّرت: أيّ حضارة في مجتمع يعتبر القبَليّة ضرورة؟ أينَ الحضارة في العراك بين كائنين بشريين، على شيء –أيّ شيء؟ أيّ حضارة في أخلاق السّوق، التي تعلمك أن ضرب بضاعة جارك لتبيع بضاعتك هو منتهى الحِرَفيّة؟ أين الحضارة في ناس المدن المعلّبين في الشقّق الحجرية، الغرباء فيها عن كلّ من فيها، والذين يموت جارهم ولا يعلمون؟ أين الحضارة في قبولك العيش تحت طبقات من السلطات، حتى تذوي شخصيتك وتتسطّح؟
كأن البشريّة تضع حضارتها، رقيّها وتساميها الأخلاقي، في المزاد، لكنها غالباً بضاعة لا يشتريها أحد، وربما لا يقبلها هديّة. ويبدو الجميع توّاقين إلى التخفف من "حضارتهم" في محاولة للعثور على الحيّز والتعايش في واقع همجي، فيلقون بها على الرصيف قبل الوصول إلى حاوية قريبة. حتّى "التحرر" يصبح غير حضاري؛ والانتماءُ يتحول إلى قيمة غير حضارية؛ وشروط البقاء تفرض سلوكاً غير حضاري. ولا يكاد يبقى سوى ذكرى الحضارة، وغيفارا.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   علاء الدين أبو زينة