أهدى لنا أصدقاء أحبّاء هدية عزيزة: كوباً من زيت الضفة. وقد جلب لهم قريب زائر زجاجة من زيت زيتوناتهم هناك، "من خير أول الموسم" وأحبّوا أن يقاسمونا نصفه. وفي الحقيقة، أيقظ هذا الزيت شجوناً، وقد بَعُدَ عهدي بزيت الضفة. وكان أخوالي يرسلون لنا من الخليل صفائح من زيت فلسطين كل خريف، ثم جاءت نكسة 67، وتقطعت الأسباب، وانشغل الناس حتى عن أنفسهم. واليوم، لا أكاد أعرف شيئاً عن أخوالي هناك، ولا تأتينا منهم أخبار ولا زيت. وزيت الزيتون حبلٌ آخر يشد الشتات الفلسطيني إلى الأرض والأهل المقموعين تحت الاحتلال. ولا تخفى رمزية الزيت الفلسطيني، لأنّه جزء من حكاية وجودية -أو هو حكاية الوجود الفلسطيني نفسه. وذكرني كوب زيت الضفة بالقطيعة: بكيف قطعتنا النكبات وأسلاك الاحتلال الشائكة عن الأهل والأخوال الذين كانوا يتذكروننا بحصتنا من "زيت البلاد".
وتعاقبت على الخاطر أفكار وعواطف. لي قريب لديه بضع زيتونات كان غرسها بيديه في حديقته الصغيرة. وكلّ عام، يلمُّ ثمارها القليلة، بعد أن يحرص على سُقياها بأول المطر، ويحملها إلى المعصرة. وفي الأحوال الحسنة، تصنع له زيتوناته صفيحة زيت واحدة، أثيرة، يفضلها أضعافاً عما يشتريه من زيت الآخرين. لكن زيت فلسطين أكثر بكثير من مجرد إيثار المرء ثمارا غرس يديه. إنّه زيت الأرض المقدّسة، وهو دمع الشجرات التي شهدت تعاقب الفصول الفلسطينية عقوداً وقروناً، حتى أصبحت هي أخيراً هدفاً للاغتيال، كشأن أيّ شاهد على جريمة. وهم يعرفون، فينسلُّ المستوطنون الوحشيّون تحت جنح العتمة، مثل خفافيش الليل، ويقتلعون الزيتون الفلسطيني بحقد موتور في موسم القطاف.
قبل أيام، تحدث روبرت سيري، منسق الأمم المتحدة الخاص لعملية السلام في الشرق الأوسط، عن الزيتون الفلسطيني. قال إن على قوة الاحتلال أن تفي بالتزاماتها بموجب القانون الدولي، فتحمي الفلسطينيين وممتلكاتهم في الأرض المحتلة، الذين يستهدفهم المستوطنون في موسم قطاف الزيتون "العنصر الحاسم للحياة والاقتصاد الفلسطينيين". وطالب بتقديم المعتدين إلى العدالة. وفي مكان آخر، تحدّث مسؤولون أميركيون عن "إرهاب المستوطنين" الذين يقطعون شجر الفلسطينيين ويخربّون ممتلكاتهم وحياتهم. وتساءل كاتب غربي عن ماهية هذا "الإرهاب" المحصّن، ولماذا لا يكون هدفاً لحرب أميركا والعالم –والعرب- على الإرهاب؟! وجعلني كوب زيت الضفة أنقّب، فعرفت أكثر من القيمة العاطفيّة للزيتون الفلسطيني؛ عرفت أن "10 ملايين شجرة زيتون في الضفة الغربية وغزة، تدرُّ عائداً قدره 100 مليون دولار سنوياً". وماذا عن الزيتون الأسير في بقيّة فلسطين التاريخية المحتلّة؟!
بشكل غامض، طافت كل الأفكار والعواطف عن الزيتون في ظل صورة يستحيل أن تُسقطها الذاكرة: الحاجة محفوظة اشتية، وهي تحتضن بإصرار مذبوح جذع زيتونتها التي قطع المستوطنون غصونها تحت حماية الجيش، وبقي في الجذع غصنان استعصيا على القطع، وامتدا إلى السماء شاكيَين مثل ساعدين مَبتورين بلا يدين. كيف يمكن لأحد أن يشاهد هذه الصورة، وينساها؟! وأستغرب: كيف يقطر العرب والعالم الآن شفقة على كلّ شيء، سوى يُتم شعب محفوظة اشتية وزيتونه؟ وإذا كان قلب الغُرباء ناشفاً على فلسطين ونكبتها، فلماذا يُؤثر العرب الكتابة والبكاء على أيّ شيء وينسونها، ويشاركون في جعل ضياعها وهوانها واغتصابها اليومي تحصيل حاصل، وخارج "الربيع"؟!
اغتيالات زيتون الضفة -الذي لو يعرف غارسه "لصار الزيت دمعاً"- هي الآن أخبارٌ لا يكاد يتابعها أحد، مثل حال قتل الفلسطينيين اليومي الذي أسقطناه في فخ الاعتياد. وما ينبغي إغماض القلب عن ذبح الإخوة في أكثر من مكان عربي، بيد الغرباء والأقرباء. لكنه لا ينبغي غمط قتلى فلسطين وزيتونها حصتهم من الانتباه. وكأن المتشاغلين بهاجس الحريّة يتبرّمون كلما جاءت السيرة: "أهلكتنا يا عاطفيّ.. الناس في أيش وأنت في أيش.. أجّل حكايتك الصعبة، وصلِّ على الحاضر. أنظرنا علنا نفطن إليك حين نفيق"! ثم، عند الاحتدام، يزايد الجميع على الجميع، بفلسطين، ويستخرجونها من الأكمام مثل كرت "الجوكر"!
10 ملايين زيتونة فلسطينية؟ لا بأس! تكفي لتدمع الكثير من أكواب الزيت، وسوف تنجو -لأنّ البتر لا يقتل الزيتون- وتتكفل بحراسة الذاكرة، كما اقترح توفيق زياد: "لكي أذكر، سأبقى دائماً أحفر، جميعَ فصولِ مأساتي... على زَيتونةٍ، في ساحةِ الدارِ".
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد علاء الدين أبو زينة