غلب على السهرة العائلية مع الأصدقاء حديث الساعة هذه الأيام: الارتفاعات المرتقبة في الأسعار، ونية الحكومة رفع الدعم عن السلع الأساسية. ولم يكن أحد من الحاضرين مسترخياً، وإنما حطّ على المتسامرين ثقل المناخ العام. ومع قتامة الطقس وتوقع الأمطار، غابت شاعرية الشتاء تحت طبقات الأسئلة والحسابات العملية غير الشاعرية: كم مدفأة ستلزم لتدفئة بيت عادي؟ كم أنبوبة غاز تستهلك الأسرة المتوسطة شهرياً، وخاصة في الشتاء؟ ماذا عن الكاز والسولار، وبنزين السيارات وكلف المواصلات، وأي سلعة هي التي لن يرتفع سعرها بعد رفع الدعم؟
وحاولنا أيضاً تخمين تصنيفاتنا في الشرائح والطبقات، واكتشفنا أننا بلا طبقة. وحزرنا كيف ستعوضنا آليات الدعم المقترحة عن فارق الأسعار. وتسلينا بإجراء حسبة بسيطة: تصورنا في المعدل أسرة من خمسة أفراد، ستتلقى دعماً مقداره 500 دينار في السنة كحد أعلى تعويضاً عن فرق الدعم. ويعني هذا حصول الأسرة على واحد وأربعين ديناراً ونصف، تقريباً بمعادل ثمانية دنانير وكسور للفرد.
وماذا لو زاد دخل هذه الأسرة المتوسطة أربعين ديناراً شهرياً مثلاً، مع بقاء الدعم، هل كان هذا المبلغ سيفرق كثيراً من الأساس؟ هل ستكفي ثمانية دنانير لتكون مصروف جيب شهري لتلميذ في الابتدائية، ناهيك عن تغطية احتياجاته الكثيرة؟ ألن ينفقها في مشوارين إلى البقالة لشراء بعض "الشيبس" والعصير؟ وإذا رُفع الدعم وأصبحت اسطوانة الغاز بعشرة دنانير، فماذا يتبقى من هذا التعويض -بافتراض أن الأسرة المذكورة ستستهلك اثنتي عشرة اسطوانة غاز شهرياً لتشغيل مدفأتين وموقد الطبخ، لكي يغطي "بلا شعور بالفرق" ارتفاع أسعار الطعام والمواصلات وكل السلع والخدمات الأخرى التي يتخيلها المرء ولا يتخيلها؟
قال أحد الحاضرين إنه يزاول منذ مدة عملاً إضافياً بعد الدوام ليحسّن حال أسرته، لكنّه لم يلحظ أيّ فارق يعتد به ببضع مئات من الدخل الجديد، وكأنه يحرث في البحر ويهب عرقه للشيطان: "البركة منزوعة من النقود وكأن بها لعنة الفراعنة". وتحدث الرجل بحنين عن أيام سابقة. قال إنّه كان يملأ خزان سياراته بثلاثة عشر ديناراً، لكنه أصبح يملؤه نفسه بأكثر من ثلاثين ديناراً، فمن قال إن الأسعار لا ترتفع وكلف الحياة لا تتضاعف أصلاً على المواطن كل يوم وكل سنة؟ ومع ذلك، يُطالب الناس بسدّ عجز موازنة صنعته وفاقمته عقود من سوء التخطيط الاقتصادي، وفساد الإدارات ونهب المال العام. وقد ظل الأثرياء والمتنفذون يزدادون ثراء كل الوقت، والفقراء يزدادون فقراً كل الوقت. ويتعاظم الفرز، فما ذنب من يبذل جهده ويظل فقيراً؟
ولا نستطيع التقشف بصناعة اقتصاد منزلي: تربية دجاج وخراف وزراعة الخضار في "حديقة المطبخ"، لأنه ليست لدينا حدائق في العلب المدينية. وقد اشتكى أستاذ جامعي من انصراف أهل قريته الفلاحين عن الخبز المنزلي وإقبالهم على شراء الخبز من الفرن بدورهم. وتساءل الأستاذ عن سبب إعدام زراعة القمح في البلد واعتماد طحين الآخرين. صحيح! أين أمواج السنابل التي كنّا نشاهدها صغاراً، حتى في أطراف عمان نفسها؟ وكيف تمنُّ الحكومات على الناس بدعمها ثمن رغيفهم، وهي التي اغتالت الزراعة بسياساتها، وما صنعت لهم صناعة ولا سياحة؟!
الغريب أن هذا الحل الثقيل الذي لا يدفع ثمنه سوى المواطن، يجيء في سياق تخفيف شكوى المواطن الساخط أصلاً من ضيق الأحوال وضنك العيش، حدّ النزول إلى الشوارع للاحتجاج. أيّ مفارقة! أليس رفع الأسعار وسحب الدعم أغرب وصفة يمكن تخيلها لاستعادة الاستقرار وتخفيف الاحتقان في هذه الظروف؟ ومع الإصلاحات السياسية التي لم تفصح عن جوهر وتركزت على قانون انتخابات محيّر، يكون لدينا "إصلاح" فريد، يصلح موضوعاً للدراسات السوريالية.
وإذن، رفع الدعم هو "الإصلاح الاقتصادي" المثالي الوحيد والمؤجل لأنه مؤلم! ولكن، ماذا بعد رفع الدعم وتحليق الأسعار وإرضاء صندوق النقد الدولي؟ أين الخطة الوطنية الاستراتيجية لمعالجة أصول اعتلال اقتصادنا الوطني وجعله منتجاً؟ أين الوعد الصادق بأن يكون تحمل المواطن لهذه الدفعة من الألم مفتاحاً للفرج وحل الأزمة، وليس مجرد إدارتها بترحيلها مع أسبابها ونتائجها؟ هل سيكون هذا "الرفع" خاتمة الأحزان وبداية ربيع الأردنيين؟ لا يبدو الأمر كذلك!

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   علاء الدين أبو زينة