تفاوتت القراءات في التداعيات المحتملة لترقية فلسطين إلى مرتبة "دولة غير عضو مراقب" في الأمم المتحدة. ومن ذلك ما كتبه المفاوض الأميركي السابق في الشرق الأوسط، آرون ديفيد ميلر، على موقع (سي إن إن) يوم الخميس: "إن النجاح (في التصويت) لن يجلب للفلسطينيين المكاسب التي يأملون تحقيقها، ولا الكوارث التي يتنبأ بها معارضو المبادرة. لن يصبح عباس والفلسطينيون أقرب إلى الدولة، بل وربما يصبحون أبعد عنها". لكن لهجة ميلر وشت بقهر وغِل، تردد صداهما بعده في كلمتي ليبرمان ورايس في الجمعية العامة ليلة التصويت. وإذا كان ثَمّ شيء يُصيب هؤلاء بالقهر، فإنه لا بدّ أن يكون إيجابياً لنا. كما أبرز معظم المعلقين إمكانية استخدام مكانة فلسطين الجديدة لتحريك قضايا ضد الاحتلال في محكمة الجرائم الدولية، وقرأوا ذلك باعتباره سبباً في رفض واشنطن وحلفاء الكيان للمبادرة. وإذا تحقق ذلك بعد التصويت، فإنّه مكسبٌ أيضاً.
وعلى أي حال، وفرت مجريات التصويت على المبادرة الفلسطينية في الجمعية العامة فرصة لاستكشاف مكان المسيرة الفلسطينية في هذه المرحلة. وأوحت وقائعها بجملة دلالات، أوجز بعضاً منها فيما يلي:
أولاً: أعاد مشهد استقبال محمود عباس قبل وأثناء وبعد إلقاء كلمته، مشهد استقبال ياسر عرفات في نفس المحفل قبل 38 عاماً. وبينت حرارة الاستقبال، والتصويت، أن ضمير العالم يحترم نضال الشعوب من أجل حريتها، وأنه يرى الكفاح الفلسطيني بمكوناته -ومنه نهج المقاومة- في سياقه الطبيعي: حركة تحرر وطني مشروعة.
ثانياً: بيّن التصويت أنّ الوعي العالمي لم ينخدع بالأسس الأسطورية لرواية المشروع الصهيوني في فلسطين بالدرجة التي كنا نتصورها. وقد تجسد فهم العالم الحقيقي لتهافت هذه الرواية في البرود الذي قوبلت به كلمة وزير خارجية الكيان، وفي نسبة التصويت: إنّ العالم يعرف من هو الإرهابي ومَن هو المناضل.
ثالثاً: أعاد التصويت إبراز الخلل الهائل في بنية الأمم المتحدة وآلياتها، بحيث لا تعكس الرأي العالمي بصدق، كما تدّعي. وبيّن تناقض مآلات مشروع الدولة الفلسطيني بين مجلس الأمن والجمعية العامة، وكيف أنّ المجلس يصادر القرار الكوني لصالح الخمسة الكبار الذين يمتلك كل منهم حقّ نقض إرادة العالَم وفرض رؤيته الخاصة.
رابعاً: أكدت مجريات جلسة الأمم المتحدة، ومنها كلمة محمود عباس، ضرورة وجدوى جمع المشروع التحرري الفلسطيني بين المقاومة والدبلوماسية. وقد استخدم عباس غزة المقاوِمة لتعرية وحشية الاحتلال أكثر مما استشهد بالضفة المسالِمة. وجاء استخدام ورقة المقاومة بلا تنسيق بين شطري العمل الفلسطيني، وخدم "الاختلاف" القضية بشكل عفوي. ويدعو ذلك إلى تأمل ما يمكن إنجازه لو كان ذلك الجهد منسقاً، وهو ما يجب العمل عليه بما ينبغي من الدهاء السياسي الضروري لمقارعة أعداء معجونين بالمكر.
خامساً: بيّنت نسب التصويت مدى عزلة أميركا والكيان الأخلاقية وكراهية العالم لهما، كما أكدت أن معارضة الفلسطينيين لأميركا والكيان لا يجب أن تخيفهم ولا تهددهم بشيء؛ بل انها حسّنت موقف عباس في الوطن والخارج، وهو ما ينبغي أن يهمّه أولاً. وهذا بدهي، لأنه ليس لدى الفلسطينيين ما يخسرونه. فبماذا يمكن للكيان وأميركا معاقبة الفلسطينيين أكثر من الاحتلال والقتل والاعتقال والتشريد؟ أما "المساعدات" وسيلة العقاب الوحيدة المتبقية، فَقَيدٌ وشراء قرار أكثر منها عامل تمكين، وقد عاش الفلسطينيون بدونها، ويمكن تعويضها بإشراك الشتات وأنصار العدالة من العرب والعالم.
سادساً: أكّد رأي العالم في الحق الفلسطيني خطل التنازل عن الثوابت والحقوق. ولم يكن التنازل في مصلحة أيّ قضية –ما دامت عادلة مبتدأ، ولم يخدم الفلسطينيين في شيء، كما تبين، ولم يفعل سوى إراحة ضمير العالم إزاء عناصر الحق المهدورة، ما دام صاحب الحقّ يتنازل عنه بنفسه.
سابعاً: وعليه، كان ينبغي التأكيد مراراً على حقّ العودة الفلسطيني، لأنّ السياق خدم طرحه بقوة وتمريره في ديباجة القرار، خاصة أنه موضوعي ومنصوص عليه في القانون الدولي، ولا معنى لأي "منجز" بدونه.
ثامناً: ينبغي استثمار اللحظة التاريخية لإعادة صياغة البرنامج الوطني الفلسطيني الموحد، بضم طاقات الجميع، والتحول من التذلل إلى العناد، لأنه لا محلّ للين العريكة في عالَم التدافع بالمرافق والأكتاف.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   علاء الدين أبو زينة