أفكر في مصر اليوم، وفي التاريخ. ويقول التاريخ إنّ أعظم أطوار مصر، على مستوى المنجز الحضاري، كان أيام الفراعنة. وقد حاول المصريون استنهاض ذاتهم كثيراً باستحضار روح الفراعنة، ولكن: بأي طريقة؟ 
مثلاً: ماذا لو أراد المصريون الهروب إلى الماضي، فوضعوا عنهم ملابسهم الحديثة - الجلابيب والبدلات- ولبسوا أزياء الفراعنة حسب رسومات المعابد، وأطلقوا شعورهم وذقونهم، ورسموا حواجبهم على شكل عين حورَس، وشرعوا بتحنيط الموتى: هل سينهضون بذلك ويصنعون حضارة كاسبة؟ والعراقيون أيضاً. ماذا لو تقمصوا هيئات الآشوريين والكلدانيين، وكتبوا أدبياتهم على الأختام الاسطوانية؟ هل سيفلتون من تدمير آخر، ويحكمون الإقليم؟
كلا، وسأسمي الداعي إلى ذلك، داعية إلى الظلامية. وهو كذلك، لأنّ ما يدخل بطن التاريخ لا يعود يخرج منه. وإذا أراد أحد أن يستعيده، فبطريقة وحيدة فقط: أن يذهب هو إليه ويقيم معه في بطن التاريخ، في الظلام وبلا شمس.
ونعم، يمكن للمصريين استحضار "روح الفراعنة". وهي في الحقيقة ليست روح أحد مخصوص إلا بمقدار تقريب المجرّد. إنها في عموميتها، روح ابتكار الجديد والتغيير. ولا أعرف على وجه التحديد كيف بدأ الفراعنة، لكنّهم اعتنقوا فكرة لا بدّ أنها اختلفت عمّا سبقها، وإلا لما جاؤوا بجديد. وبعد ذلك انطلقوا، ربما بدءاً من تفسيرات فوق-طبيعية، إلى الشُّغل في العالَم المادي. بمعنى، أنّ الذين نحتوا الحجارة وصمّموا الأهرامات والمعابد هُم مهندسون يعرفون قوانين الطبيعة والجاذبية والأوزان والفيزياء والعمارة. والذين ابتكروا التحنيط، هم خبراء في الكيمياء الحيوية. والذين زرعوا القمح ووفّروا الغلال، كانوا خبراء في التربة والمواسم وتكثير المحاصيل. ولو حاول الفراعنة تكرار السابق، لما صنعوا أيّ شيء ولما عرفناهم بكل بساطة. وهكذا، فإن ما يحتاجه المصريون وغير المصريين اليوم، على مستوى الأفراد والأمم، هو: الروح الوثّابة الراغبة في اجتراح الجِدّة بالعمل الدنيويّ.
أن تحاول إعادة التاريخ، يعني –مثلاً- أن تكرر يومك السابق بتفاصيله، فتأكل نفس ما أكلت، وتقول ما قلت، وتفعل ما فعلت. فماذا تكسب؟ أبداً، ستكون قد عشت كابوساً، وخسرت يوماً من عمرك، وحسب! ولذلك، فإنّ عاقلاً لا يختار أن يعيد أيامه الماضية بحذافيرها، وإنما ينبغي أن ينظر فيها كما هي، كماضٍ، ويستفيد ليعيش يومه أحسن، ويخطط لغده أفضل. وسيفضل غالباً ارتداء ملابس جديدة.
بلا مجازات، يواجه العرب في هذا المنعطف الحاسم معضلة الاختيار بين بديلين: إعادة التاريخ، أو صناعة التاريخ -بالاستفادة من التاريخ. وتتخذ القسمة شكل أطروحتين لتيارين يسميان، اعتباطاً: "الإسلامويين" و"العلمانيين". التيار الأول، يعتقد بأن الدين هو العربة الأفضل لتحقيق غايات سياسية وإدارة العالَم الدنيوي المعقد كثيراً في هذه الأيام. وهو يعتقد بأنّ الأمور يجب أن تبدأ من مسألتين: الاتفاق على تفسير كينونة العالَم، والأخلاق. والعنوان المطروح بوضوح كهدف أخير هو: إعادة دولة الخلافة، وولاية الحاكم المطلقة. أما التيّار الثاني، العلماني –أو الدنيوي- فيهتم أكثر بالقريب، بفهم التركيبات الاجتماعية، والاقتصاد وعلاقات الإنتاج، ومراقبة تحولات القوى ومراكزها في العالم والداخل... إلخ. لكنه لا يهمل تفسير العالَم أيضاً، باعتباره سؤالاً بشرياً طبيعياً. وإذن، تعرض بعض التيارات الحَرفية نفسها على أنها تريد إعادة التاريخ بالبدء من حيث ذكرتُ أعلاه: من الملابس والهيئة، وربما تقليد البيئة، كما هي متخيلة. والبعض الآخر، الأقلّ حَرفية في إعادة التاريخ، لكنّه يريد أيضاً تكرار النموذج بأكبر دقة ممكنة. وهو يركز أيضاً على العقيدة والأخلاق، بينما يحاول استيعاب الأنماط الحديثة لحراك الاقتصاد ونظرياته في الفكرة العقائدية.
ومن أشكال إعادة التاريخ، تصوير أزمة العرب باعتبارها صراعاً وجودياً بين مسلمين وكفار –كما كان في مكة القديمة. وليس الأمر كذلك. إن هذه المسألة محسومة، ببساطة لأن الجميع هم أبناء الثقافة العربية الإسلامية، كهوية وطريقة حياة. والعلمانيون، تنويع على ثقافة الإسلام، وحسب. وكذلك أيضاً المسيحيون المرتبطون –موضوعياً وتاريخياً وعاطفياً- إلى الهوية العربية الجامعة. ولذلك، ينبغي استئناف التاريخ، بمعنى استنهاض روح رغبة التغيير والجِدّة التي قام عليها الدين نفسه، فصنع التاريخ. 
يقول جورج برنارد شو: "إذا أعاد التاريخ نفسه -ودائماً ما يحدث اللامتوقع- فكم سيكون الإنسان، عندئذ، عاجزاً عن التعلُّم من خبرته!"

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   علاء الدين أبو زينة