الشارع في غرب المدينة عريض، مثل شوارع العواصم، لكنه ليس جميلاً كما يليق بشوارع العواصم. تسير فيه، فتغص ذائقتك بعدوى التلوث البصري: لا خطوط تحدد المسارب وتفصل بين العربات المتدافعة؛ الإسفلت مهترئ حائل اللون مبقع بالرقع والوهاد والتلال. وعلى اليسار يعتقل الطريق حاجز من القضبان الحديدية يذكّر بباب نظارة التوقيف. وفي أكثر من مكان، نتأت القضبان المقصوصة ومالت ملتوية على الشارع مثل حديد تسليح عمارة مقصوفة. هنا، كثيرون هم الذين يكرهون عبور الجسور والأنفاق، ويؤثرون اختبار الإثارة في قطع الطريق أمام العربات المسرعة واحتمال الدهس، مثل الهاربين أمام الثيران في اللعبة الإسبانية.
كانت بقايا المطر الصباحي وقبّة الغيم المتأهب قد نثرت خوفاً على الطريق من شيء ما؛ ربما من احتمال الانزلاق، أو الاشتراك في حادث سير، أو شيء غامض آخر. وقد تسابقت العربات إلى وجهاتها شديدة التقارب، ووشت حركتها بعدوانية سوّاقيها الذين يجتاحون مسارات الآخرين بحريّة في غياب الخطوط، ويرفعون منسوب التوجّس. ودائماً ما تمرق العربات المجنّحة عن يمينك وشِمالك، وكأن مَن فيها يعنفونك ويعيبون عليك كسلك وقلة براعتك وفرط حذرك. وبشكل ما، يبدو الشارع الكالح غير المتسق تعبيراً عن فكرة كليّة مقلقة.
في مدينة أخرى غريبة، أعجبني استواء الطريق وتساوق لونها، وبالذات: وضوح المسارب والخطوط. قال مضيفي هناك إنّ اعتداء جارك في الطريق على مسربك بلا استئذان هنا ممنوع. قال إن محاولتك تجاوز الآخرين باقتحام مسرب الخدمات المخطط بالأصفر إلى يمين الشارع هنا ممنوع. وللحق، كان السير في تلك الشوارع أروح وأقل إيحاءً بالخطر. هناك، تعفيك الخطوط الواضحة من تشنج عروق الرقبة وكثرة الالتفات لتفادي عدائية الآخرين، وتريح ذهنك من الانشغال برسم خطوط وهمية حتى لا تصطدم بالمتزاحمين. قال مضيفي إنّ هذه الخطوط وأشباهها، هي التي تمنح سكان هذه المدينة مطلق الحرية.
قال مضيفي إنّ كل شيء في تلك المدينة منظم ومرسوم ليكفل لك حريتك في استخدام حيزك، والاستغناء بسعته عن غزو حيّز الآخرين. هناك، تعرف تماماً ما لك وما عليك، فلا تقلق. هناك، تفهم تماماً ما يعنيه حُكم القانون: لا واسطة، لا عشائرية، لا ضرورة للتفكير في تصنيفك الوطني وفئتك ودرجة مواطنتك، وهل أنت محلّي أو وافد؛ ولن تقهرك مصادرة الآخرين فرصتك لأسباب فوق-طبيعية كل الوقت. هناك، لا تحسّ بأن القانون فضفاض جداً وشامت يخرج لك لسانه كلما كيّفه أحد على مقاس مصلحته، فقط لأنّه ما هو وأنت من أنت –بلا مقياس. هناك، تقدّمك إمكانياتك بالضرورة ولا يمكن أن يسدّ عليك الطريق أحد. وهناك، يمكنك اختيار سرعتك باختيار المسرب الذي يناسبك، ولن يتجاوزك أحد مستخدماً مسرباً ممنوعاً دون أن يحاسبه أحد.
فكّرت في الخطوط. لم أكن معجباً أبداً بالمسارات التي يرسمها الآخرون، ولا لأيّ شيء يحدد الحيّز الشخصي. لكنّ الفضاءات التي بلا معالم، مخيفة أيضاً. ومن أسوأ الكوابيس، أن توجد في أرض كالحة وغائمة المعالم، مثل الصحراء الصفراء بلا دروب أو المدن المدمّرة بعد الزلازل. عندئذ، ستفكر في الضياع والنهايات، وحسب.
فكرت وأنا أسير في الشارع المتوتر الذي كان ينبغي أن يليق بالعواصم، بأن الشوارع الباهتة، المليئة بالمطبات والحفر والشقوق، والتي بلا خطوط، تخبرك كيف يفقد مجتمعك وبلدك التوازن المادي والمنهجي. لا ينبغي أن تتداعى بنية الطرق وأن يغادرها الوضوح والانسجام والخطوط والجمال في بلد عصري. وإذا فشلوا في رسم خطوط يمكن أن تراها في النهار والليل وتصمد لأكثر من يومين، لتؤمن مسارك وتضمن لك حرية تجوالك في حيزك، فإنهم يفشلون غالباً في تحديد معالم المستقبل العام ووجهاته المقصودة. وإذا اختلطت الأمور بحيث لا تميز ما هو لك عما هو لجارك في الطريق، فيغلب أن تضيع الثقة المجتمعية، والحميمية، وتصبح طريقك سالكة بحذر. وإذا ضاق الشارع عليك فجأة بلا شاخصة أو تحذير، وزاد احتمال اصطدامك بغيرك لأنّ نصف مساحة الشارع محجوزة لمشروع فاشل لا يعرفون كيف يستكملونه أو يتراجعون عنه، فإنك ستعاود التفكير في معنى الخطوط والمسارب. ربما تكون الطرق أجمل بالخطوط، وأكثر أمناً للسائرين؟!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد علاء الدين أبو زينة