هطل المطر الذي ينبغي أن يكون منتظراً، غزيراً وسخياً كما ينبغي أن نحبّ. لكنه لم يغسل الرمال عن القلوب. وهبطت تداعياته بحديث الناس من الرومانسية إلى واقعية شاكية من سوء أحوال الشوارع التي أفصحت عن حال بائسة يرثى لها. والناس محقون، فلا شاعرية في فيضان الطرق، وتعطل المركبات، وتعذر الوصول إلى الوجهات، والأهم: انكشاف الغشّ الكبير للذات في "تشبيص" البنية التحتية لشوارع عمان العاصمة نفسها كيفما اتفق.
المطر لا يمكن أن يكون إلا خيراً كله في أنحائنا العطشى المطاردة بغول الجفاف. وفي الحقيقة، لم يكن ما جاد به الطقس يوم الاثنين الماضي وما تلاه -بضع ساعات من المطر الغزير نسبياً- إعصاراً غادراً مثل "كاترينا"، ولا هطولاً موسمياً هائلاً أفاض أنهار عمّان، كما فاضت أنهار الباكستان. كان في الأول والأخير، مطراً كثيفاً نعم، وإنما كان عادياً، من النوع الذي نستسقيه بشوق القانطين حين يتأخر. وإذا كانت شوارع عمّان العاصمة –بل وحتى غرب عمان الحديث- تضيق بهذه الهِبة المشتهاة، فكيف نتمنى شتاءات تفيض خيراً لتملأ السدود وتنبت الزروع؟ ولماذا يمكن أن تغرق عمان في شبر ماء؟!
سمعت تفسيراً من مهندس يشرح للتلفزيون سبب غرق الأنفاق في عمان الغربية. قال شيئاً من قبيل: أنت تشتغل حسب الموجود؛ تشق شارعاً بعرض ستة أمتار، ثم توسعه بعد ذلك وفق الحاجة. ولم أفهم الصلة بين غرق الأنفاق وعرض الشوارع، لكنني استنتجت أنه ربما قصد أن نظام التصريف في الأنفاق صمم لاستيعاب مطر بخيل، ويمكن توسيعه ليستوعب المطر الغزير، وفق الحاجة. ورغم إلحاح المُحاور، لم يعترف المهندس بأي احتمال لعيب في التصميم أو الصيانة. لكنّ معظم الذين اصطادتهم بحيرات الشوارع والأنفاق استنتجوا أن ثمة عيباً في التصميم وتقصيراً في الصيانة. وفي الحقيقة، يحتار المرء: لقد وعينا على عمّان ومشهد الحفر والطمر في الشوارع حاضر جداً، بحيث تبدو الحياة غير طبيعية بدونه. والشوارع ليس فيها شبر إلا نبشوه ورقعوه حتى يتعذر أن تسير سيارة كيلومتراً واحداً في أي شارع –في الشتاء والصيف- سيراً هيّناً ليّناً بدون أن "تنط" براكبيها مثل الضارب في الوعر "الأمعز الصّوان"، فماذا يصونون، وبماذا يظلون يشتغلون ويتحسّنون؟!
قال غاضب إننا ندفع ثمن الشوارع وصيانتها بالضرائب الكثيرة، ونستحق طرقاً أفضل بدون "جميلة المساعدات". يمكن. وبالمناسبة، بخصوص الشارع "أبو ستة أمتار" الذي يمكن توسيعه، يتساءل المرء حين يمر في الشوارع "الحديثة" المختنقة بالسير غالباً: كيف حين يتضاعف عددنا في غضون عقد، وبالتالي عدد السيارات؟ ماذا سيفعل شارع بثلاثة مسارب؛ بلا كتف؛ بلا مسرب خدمات للعربات المتعطلة أو لاستخدام سيارات الإطفاء والإسعاف التي عادة ما يعتقلها الزحام؛ بغير مساحة احتياطية لتوسيع الطريق بدون هدم العمارات المستحيل، المطبقة على الطريق؟ عذاب وحرج إذا "بنشرت" مركبتك، أو تعطلت، أو احتجت إلى التوقف لأي سبب، أو حتى لتشتري شيئاً من محل على شارع "حديث". باختصار: كأنه لا تخطيط أبعد من تحت القدمين. وقد علّق صديق بأنّه لا بد أن يكون هناك من فكّر بترك مساحة احتياطية على الجوانب للتوسعة، لكنّه ووجه حتماً بنافذين بخلوا بثمن الأرض الغالية المصنفة "تجاري".
في المطر الأخير، رأى قريب في "شارع الأردن" شاحنات تعطلت في الماء، وتساءل عن السيارات الصغيرة. وشارع الأردن شريان حيوي يربط عمّان بالشمال. لكنّ هبوط المنحدر المرعب مباشرة بعيد مستشفى الملكة علياء باتجاه "أبو نصير" مرعب في الصيف، فكيف في الشتاء! ولا بدّ أن يفكرالهابط الخانق سيارته بالمكابح وهي تحاول الإفلات: ماذا لو أنهم شقوا نفقاً من عند "الحراج" إلى قرب أسفل المنحدر، فاعتدل الطريق؟ مكلف؟ ربما، لكنّ الاستثمار في الطرق لا يمكن أن يكون خسارة، وليس السخاء في الإنفاق عليها وتأمين سلامة مستخدميها ترفاً. أم سيفكرون بحفر نفق مستقبلاً؟
شيء أخير ذي صلة بالعاصفة المطرية. طيّرت الريح بعض إعلانات المرشحين للبرلمان. ويقال إنها تكلفت 4.5 مليون دينار. خيرٌ إن شاء الله، فالمطر لا يكون إلا خيراً. ربما يشتغل الخطاطون أكثر؛ ربما تختصر الإعلانات الجديدة شيئاً من موازنات البعض من مشتري الضمائر والأصوات. شتاء سعيد!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد علاء الدين أبو زينة