بطبيعة الحال، لا أقصد التعميم في المسألة التي سأعرضها الآن. وينبغي الثناء أولاً وأخيراً على قطاع محطات تزويد الوقود التي تشكل عصباً مركزياً لا يمكن تصور سير الحياة الطبيعية بدونه. لكن هناك تكراراً ملفتاً في أنواع من الغش الذي يُمارس في بعض محطات تعبئة الوقود. وكان آخر ما سمعت بهذا الصدد شكوى من فتاة في طور الاستكشاف والاندهاش. قالت إنها ذهبت لتزويد سيارتها بالوقود من إحدى المحطات، ولاحظت أن عداد المضخة يدور، بينما لا يكاد مؤشر عداد السيارة يرتفع. وعندما انتهى العامل من التعبئة ولم يرتفع المؤشر إلى الحد المتوقع أو قريباً منه، استفسرت، لكن الرجل رد عليها بفظاظة، وقال لها إنّ المؤشر سيرتفع بالتدريج. ولم تعرف ما تفعل، فغادرت آسفة. ولم يرتفع المؤشر بعد ذلك. وقالت لي: هل ستكتب عن ذلك يا أستاذ؟
وفي الحقيقة، ليست هذه هي المرة الأولى التي أسمع فيها عن هذه المسألة، فقد خبرتها شخصياً في مناسبات مختلفة. وفي بعض الأحيان، كان مؤشر الوقود في السيارة لا يصل إلى النصف عند التعبئة بمبلغ ينبغي أن يملأ ثلاثة أرباع الخزان. وكنت أنطلق أنا أيضاً على أمل أن يرتفع المؤشر بالتدريج، بعد أن أكون قد راقبت العامل وهو "يصفّر" العداد وتأكدت من تسجيل عداد المضخة المبلغ المطلوب. وكنت أحتار أيضاً فيما أفعل: هل أعود إلى المحطة لأرى ما يمكن فعله؟ أيّ إثبات سيكون لديّ، وما الذي يمنع أن أتورط في مشاجرة هناك؟ وحسب معلوماتي، تقوم جهة ما، ربما مصفاة البترول، بمراقبة صلاحية عدادات المضخات في محطات الوقود ودقتها، لكنني سمعت تفسيراً يقول إن البعض ربّما يعبئون للناس الهواء مخلوطاً بالبنزين. وقبل مساواة سعر الكاز بالسولار، كنا نسمع أنهم يمزجون السولار بالكاز الأرخص سعراً. وسمعنا شكاوى أيضاً عن مزج الكاز بالماء، فتتلف مدافئ المواطنين.
ومن أشكال التحايُل الشائعة في "الكازيات" أيضاً، أن لا يقوم العامل بتصفير العداد إذا لاحظ عدم انتباه الزبون، فيبدأ العد من الرقم الذي سجلته السيارة السابقة، ويُسرق الفرق. وأخبرني صديق أيضاً أنه دفع ذات مرة مبلغاً في محطة الوقود أكثر بكثير مما قدّر أنه اللازم لملء سيارته، ثم استنتج أن عامل المحطة جعله يدفع قيمة قراءة العداد الآخر على نفس المضخة التي لها خرطومان للتعبئة وعدادان. وهناك أيضاً قصّة الصهاريج التي تنقل مادة الديزل إلى خزانات التدفئة المنزلية. وليست هناك طريقة تقريباً للتأكد من أنّها تعبئ كميّة تساوي المبلغ المدفوع، حتى مع  طبع فاتورة لا طريقة للتأكد من دقتها سوى التعويل على يقظة ضمير البائع.
لكن أسوأ شيء أتذكره عن قصص الكازيات، حكاه لي سائحان ألمانيان عجوزان، رجل وزوجته، كانا قد جاءا من أقصى الأرض لزيارة الأردن والتعرف إلى ثقافته وناسه وطبيعته. وقد أخبراني أنهما قاما بملء خزان سيارتهما السياحية المستأجرة عن آخره "فل" من محطة وقود في غرب عمان، وعادا بها إلى فندقهما في الشميساني على بعد بضعة كيلومترات فقط، ليضيء مؤشر نفاد الوقود عند باب الفندق. وقد جهدت في الاعتذار للضيفين، وتأكيد أن هذا ليس طبع الأردنيين، ولا هي طريقتهم في معاملة الضيوف. وكان ذلك مخجلاً فعلاً.
لا أعرف إذا لاحظ غيري أن خزان سيارته يصبح "مطاطياً" أحياناً، فيمتلئ مرة بثلاثين ديناراً ومرة بأربعين، حسب "الكازية" والنصيب، لكنّ ذلك يحدث فيما أعتقد، وليس نادراً. ومع ارتفاع أسعار الوقود المجنونة أصلاً، فإنّ خداع المواطن وزيادة الكلفة عليه بغير وجه حق في هذا أيضاً يصبح جريمة أخلاقية وخيانة وطنية، وسرقة صفيقة. وإذا تعلق الأمر بسلوكيات فرديّة من بعض عمّال الكازيات مريضي الذمم، فيمكن تفهّم ذلك ولو أنه لا يجب التهاون فيه. أمّا إذا حدث تلاعب مبيّت وسيئ النية بمعرفة بعض أصحاب أو مديري محطات الوقود، فذلك عيب وجشع مفرط لا يليق. وإذا كانت هناك منافذ للإفلات من الرقابة، فإنّ موضوع الوقود الاستراتيجي الذي أعجزنا مواطنين وحكومات، يستحق إغلاق الثغرات، وتوفير الضمانات والآليات لتوعية المواطن بكيفية التصرف، وتجنيبه هذا الضغط الإضافي.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   علاء الدين أبو زينة