لا يميل أحد هنا إلى استعمال كلمة "ثورة" لوصف المسعى المحليّ إلى التغيير، ويفضل الجميع استخدام كلمة "حراك" الأخفّ دلالة والأقل مواجهة. وذلك ناجم، في رأيي، عن فهم غير حاذق يربط الثورة بالعنف والفوضى، في حين يمكن فهمها أحسن من ذلك. ونحن نقرأ في الأدبيات دائماً عن "ثورة" أو "تحوُّل ثوري" في صناعة ما، أو أنماط الزراعة وما شابه، في دلالة على تحوّل أساسيّ وتقدّمي عن وضع سابق. وهكذا، يكون الهرب من مفردة "ثورة" بهذا المعنى سلبياً بداية، لأنّه يشفّ عن ضآلة التوقعات، وعن تردد أصليّ أمام إرادة تغيير جريء وجوهري تمكن ملاحظته بنواتجه المختلفة.
ولا ينبغي أن تكون الثورة بالضرورة فعلاً انقلابياً من فئة على أخرى بقصد الإلغاء، وإنما يمكن أن تتوافق المؤسسة المجتمعية بتكوينها الكلّي -السلطات والشعب معاً- على إحداث ثورة ضد عوامل قصورها ونقائصها الخاصة. لكنّ ذلك يقتضي اعتراف الجميع بوجود أزمة تخص الجميع، ونبذ المكابرة والانفصال. وفي هذه الحالة المثالية، يُبذل جهد وطني بمباركة مراكز القرار التي تقدم نفسها كمشارك في الإحساس بالأزمة، وفي السعي إلى الخروج منها، وتعمل مثل ربان المركب -كما ينبغي. وسيتكفل هذا المشروع بتيسير المكاشفة وفضّ الشكوك، وبث شعور بالتشارك في تحمل الكلفة وتقاسم العوائد. وأتصور أن هذا الوضع مناسب للحالة الأردنية بالذات، لأنّ "حراكها" لم يكشف عن رغبة في عرض تناقض كلّي بين الشعب والسلطات. ولذلك، يخطئ الجميع إذا فوتوا فرصة التحدث عن ثورة حسنة النوايا لمعالجة جذور الأزمات والتشارك في حلها جوهرياً، بدل الترقيع المكلف والبشع بلا جدوى.
وفي أوضاع خلط الأوراق، تتضاعف فرص ازدهار الانتهازية. وقد قرأت في مجلة عربية قديمة تعريفاً بسيطاً أحببته للانتهازية: "اتخاذ الفرد مواقف سياسية أو فكريّة لا يؤمن بها، في سبيل تحقيق أو حماية مصالح أنانية شخصية". وهي "(تغيير) الفرد مواقفه السياسية وآراءه العقائدية حسب تغيير الظروف. ومن أجل أن ينسجم مع الظروف الجديدة أملاً في أن يحصل على مصلحة شخصية، أو أن يُحافظ على مصلحة شخصية موجودة، دون أن يكون مؤمناً بالمواقف التي يتخذها أو الآراء التي يبديها".
ولا يحتاج الأمر إلى تعب لتمييز الشخصيات الانتهازية الكثيرة من حولنا، ربّما بسبب خفوت الروح الجمعية واعتناق شعار "اللهم نفسي" في حالة البطالة الناجمة عن غياب مشروع استثماري وطني يوظف الجميع. وكم رأينا أشخاصاً يغيّرون أقوالهم وأفعالهم باتجاه معاكس مباشرة إذا انتقلوا من موقع "المعارضة" إلى "السلطة"، أو من تواضع المواطن إلى تعالي المسؤول. وهؤلاء أكبر خطراً بكثير على أي مشروع جمعي من البنى المتصلبة الرافضة للتغيير والمتشبثة بالراهن بطبيعتها. فبخلاف هذه الجهات الأخيرة الواضحة في عرض رجعيتها، لا يكشف الانتهازيون عن موقف واضح ثابت صريح، وإنما يتصرفون بردود فعل محسوبة تتكيف مع اللحظة، على طريقة الحرباء.
لا أريد أن أروج للتشاؤم، لكنّ وجهات التغيير في المنطقة كشفت غالباً عن وجه الانتهازية السافرة في تنكبّها ظهور الشعوب وسرقة نضالاتها. ولنشاهد أيّ قوى ووجوه هي التي انتهزت الفرصة وتصدرت المشاهد في معظم "الربيع العربي" تقريباً، ولنلاحظ كيفَ تغيّرت المواقف ونبتت التسويغات المليئة بالمصادرات، وخرجت أسماء من الظلال والزوايا لتنظّر لأخلاقية التحالف مع قوى الاستعمار والأنظمة المعروفة برجعيتها، بدعوى قيادة تحرر الشعوب. وحتى في أبرز الحالات الثورية العربية على الإطلاق، الثورة الفلسطينية، انتهى المطاف دائماً تقريباً بقفز الانتهازيين على ظهر الشعب المنكوب والتكسُّب من الاتجار بـ"القضية".
كنتُ عرضتُ في مقالة سابقة تخوفاً من ديمقراطية الاستبداد، حين تعيد العملية الديمقراطية إنتاج نفس الوجوه والبنى وترتيبات السلطة والمجتمع. وما يزال هناك في الحقيقة شيء كثير من ذلك. مثلاً: لاحظ صديق أنّ "صور الانتخابات" في الشوارع هي تقريباً نفس الصور السابقة -ربّما بوسامة زائدة بفضل تقنيات الإعلان الحديثة. وفي الشأن الأهم المتعلق بتحسّن الأحوال الشخصية وتخفيف القلق الاجتماعي، لم نعرف عن تصوّر مختلف يبعث التفاؤل، عرضه أحد لننتظر تحققه في مدى منظور. والخوف دائم من بقاء الشك، وأحابيل الانتهازية، والمراوحة في "الحراك" وما قبله بدون تغيّر ثوري محسوس!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد علاء الدين أبو زينة