لا توجد دولة تقريباً لا تُعنى بتقديم نفسها على أنها تضع التعليم في أعلى أولوياتها. وفي العادة، تُنشر الإحصاءات عن أعداد الخريجين ونسبة الملتحقين بالمدارس للتدليل على النجاحات في هذا المضمار، ويقول المعنيّون: "لقد فعلنا ما علينا.. أنظروا تدني نسبة الأميّة لدينا، ونسبة وصول شبابنا إلى التعليم الجامعي"! وبعد ذلك، نطلق سرباً من الألعاب النارية احتفاءً بالقضاء على الأميّة وصناعة شعبٍ متعلم. المهمّة أُنجزت، مبروك!
ثم تتأمل سويّة أداء "الشعب" في الحياة الواقعية: كيف يفكرون، ويتصرفون، ويفهمون العالم، ويصنعون ويبتكرون وينتجون معرفة.. فتقول: والله هذا الشعبُ غارق في الجهل والتخلف، متحجر العقل ومتصلب الفؤاد! إذا كانوا يقولون إن لدينا شيئا من أعلى نسب التعليم في العالم، فلماذا نرى بلداننا –ككيانات جمعية- تدبُّ كالنمل في ذيل العالم، ولا تكاد تتقدّم إلا في الاستهلاك؟!
بي ميل إلى الاعتقاد بأن الأمم تُصنع في قاعات الدرس الجامعية. ولا أقلل من أهمية مرحلة المدرسة الطويلة التي تهيئ الناس لارتياد الجامعات، لكنّ لذلك صلة تعيدنا إلى الجامعة. إن الأستاذ في الصفّ المدرسيّ هو صناعة قاعة الجامعة التي ينبغي أن تعلّمه كيف يعلِّم. كما أنّ المرحلة الجامعية هي النقطة المفصليّة التي تلملم شتات الخبرات التي اكتسبها الطالب في المدرسة والحياة، وتعيد قولبتها في صناعة شخصيّة ناضجة ذات معنى، صاحبة موقف داعم لذاته يمكن أن تنطلق منه لمفاوضة الحياة.
كيف تتشكل هذه الشخصية؟ إذا كانت المسألة تتعلق بقراءة المساقات وحسب، فإنّ سنوات المدرسة تهيئ الطالب ليفتح كتاب المساق المقرّر، ويُبسمل، ويقرأ السطور من الغلاف إلى الغلاف. وعندئذ، لا تكون ثمة حاجة لحضور المحاضرات الصفيّة والاستماع إلى أستاذ. لكنّ لا بد أن للأستاذ وظائف مهمّة هي التي أملت الحاجة إلى هذه الحِرفة. ولكن!
عرفنا في خبرتنا "أساتذة" جامعيين يفعلون ما يلي: يفتحون الكتاب المقرر ويقرأون عليك، أو عنك، وحسب؛ أو يصحبون إلى القاعة دفتراً مهترئاً من استعماله نفسه 20 سنة، ويملون عليك "التلخيص" -خلاصة المقرر- حتى لا يتعبوا أنفسهم ويتعبوك في النقاش والأخذ والردّ. عظيم! هؤلاء السادة "الخبراء" في حقولهم، هم الذين يصفهم أستاذ الإنسانيات الأميركي، مايك روز بأنهم "... لا يفكرون عادة في الذهاب فيما وراء عرض موضوعاتهم إلى التنمية الفكرية للطلبة الجامعيين أمامهم، بغية تحسين الطريقة التي يتعلمون بها ويشكلون معنى للعالم".
بهذه النوعية من الأساتذة الجامعيين –وهم كثر بالمناسبة- كيف يتعلّم طلبتهم كيف يعلِّمون هم أنفسهم عندما يتخرجون ويصبحون أساتذة مدارس –أو جامعات- سوى تكرار نموذجهم الميّت الممجوج؟ ألا تفتقر العملية بهذه الكيفية إلى العنصر الأهم: التوجيه؟ لا ينبغي لي –كأستاذ- أن أقرأ لك وبالنيابة عنك، وإنما يجب أن أوجهك: أن أعلمك كيف تقرأ وحدك، أو ما يسميه مايك روز "أسرار الصنعة".
كيف تقرأ، يعني أن تتعلَّم كيف تحفر على المهمّ فيما تقرأ، وتعقله، وتستطيع أن "تجعل من معلومات شخص آخر معلوماتك أنت"، بكلمات روز. إنك يجب أن تتعلّم كيفية تأويل موضوعك واستبطانه. وعلى أهمية معرفة المعلومات المفيدة قطعاً في موضوعك، فإنّ الأهمّ هو أن تكتسب المنهج: كيف تُقارب نصك؛ والأهم: كيف تستعمل هذه الكيفية في مقاربة أيّ موضوع آخر –لا على التعيين، دراسياً كان أم حياتياً. إنك تحتاج إلى تكوين عقل منظم مرِن قادر على الربط واكتشاف الصلات، وتعليم الآخرين على تعقب الصلات. إنّ المعلومات كثيراً ما تُنسى، لكن المنهج لا تنتهي صلاحيته.
أعتقد أن مسألة جودة أداء المعلم الجامعي تتصل بعنصرين: موضوعي، يتعلق بقدراته الطبيعية -أو المكتسبة- على استخراج أقصى ما يمكن من مادته وعرضه بطريقة جذابة تجد طريقها بيسر إلى عقول الطلبة؛ وعنصر ذاتي ربما أسميه "الشغف"، أي التعامل مع التعليم لا كفعل آليّ خال من العاطفة، وإنما كتوق شخصي غامر إلى تلمّس متعة التفاعل واستدراج تغذية راجعة إيجابية من الطلبة، والشعور بأنهم يستفيدون ويتطورون ويُعملون مخيلاتهم.
لدينا أساتذة جامعيون، نعم. ولدينا أعداد هائلة من الخريجين، نعم. لكننا غير متعلمين ولا نعرف كيف نعلِّم. فلننس إذن أمر الأعداد، ولننتبه لما يجب تطويره: نوعية الأستاذ!

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   علاء الدين أبو زينة