الاغتصاب مكون رديء من مكونات العالم. ليس في الدنيا ما هو أكثر قسوة من سلب أحدٍ أشياءه ظلماً وقهراً بالاستقواء عليه واستغلال مواطن ضعفه. ومع ذلك، ابتكرت اللغة هذه اللفظة الممضة، لتحمل مدلول الممارسة البشعة المنسوبة إلى الكائن "العاقل" الذي لا يكفّ عن استنهاض الأسوأ في جوهره الغريب. وفي الحقيقة، ما أكثر المغتَصبين والمُستباحين في العالم، لأسباب غير عادلة ولا مفهومة، وضعتهم مكشوفين أمام وحشية الآخرين بلا دفاع، ونهباً لهم.
والناس في بلادنا يتنفسون الاغتصاب مع الهواء: ثمة الأوطان المغتصَبة، والكرامات المُستباحة، والحريّات المستلبة، والحقوق المنهوبة، وعشرات الأشياء التي تُصادر منّا غَصباً بمختلف الأشكال. وبالتكرار، تخفّى كل هذا الاغتصاب –هذا السلب لأشيائنا- بقناع العادية، حتى لا نكاد نلحظه. لكنّ هناك الاغتصاب السافر الذي لا يُمكن أن يخفي سوأته شيء: اغتصاب النساء والأطفال الوحشي؛ ذلك النهش المباشر في اللحم وقضم الروح بالأنياب: النساء المهزومات في الحروب، السبايا، الجواري، بائعات الهوى المُستعبدات، والزوجات الصغيرات اللواتي يؤدين "حق الرجل في التمتع بالمرأة"، وغير ذلك الكثير.
ثم يُطالعك خبر في جريدة الصباح عن اغتصاب طفلة في الرابعة، من مُواطنيك. كيف ستتمكن من العيش بعد ذلك مع هذه الخبرة؟! وفي خبر أميركي، عن الطفل جايدون هوبيرغ، 17 شهراً: "فيما كانت والدته تنام في الطابق العلوي، كان الطفل جايدون في الطابق السفلي يعاني كابوساً رهيباً على يد صديق أمه الذي يسكن معهم منذ خمسة أشهر. كان وجه جايدون ملفوفاً في وسادة الأريكة بينما يقوم جون وايت باغتصابه. ومات جايدون مختنقاً". وتقرأ خبراً من الهند عن امرأة يتزوجها ستة إخوة معاً، ويعيشون جميعاً في غرفة واحدة. وتقرأ في تقرير لصندوق الأمم المتحدة للسكان: "أكثر من 140 مليون طفلة أصبحن "عرائس صغيرات" في 9 سنوات". وإلى جانب التقرير صورة ملتقطة في "جنة الخلد" اليمن، كُتب تحتها: "تهاني، 8 سنوات، وزوجها ماجد، 27 سنة؛ وزميلة صفها السابقة، غادة، 8 سنوات، وزوجها خارج بيتهم في حجة، اليمن".
كيف أصف الصورة؟ على خلفية من الجبال الجرداء، فوق مُنبسَط مترب مليء بالصخور، يقف في المقدمة رجل ملتح مشورب طويل قاسي الملامح، وقد لف الرأس بكوفية وغطى بطنه بخنجر يمني معقوف عريض النصل. وأمامه إلى اليسار قليلاً، وقفت طفلة مغطاة الرأس بمنديل أسود، وقد أسبلت إحدى يديها فوق الأخرى باستسلام، وانخفضت قامتها الصغيرة كثيراً عن كتف "الزوج". وفي الخلفية، طفلة صغيرة أخرى تقف بنفس الطريقة المعذّبة أمام الزوج الآخر. بأي كلام أصف الشعور الفظيع الذي تحرضه ملامح الطفلتين؟ لا يمكن أن يكون ما يحدث لهاتين الطفلتين يومياً أيّ شيء غير الاغتصاب نفسه، بعقد وشهود!
ويقول التقرير: "الفتيات اللواتي يتزوجن صغيرات يكنّ أكثر عرضة لعنف الشريك وإساءة المعاملة الجنسية من أولئك اللواتي يتزوجن في سن أكبر... وتعتبر مضاعفات الحمل والولادة السبب الرئيسي لوفاة الشابات في الفئة العمرية 15-19 سنة... لا ينبغي سلب أي فتاة من طفولتها، وتعليمها وصحتها وتطلعاتها. ومع ذلك، تُحرم ملايين البنات اليوم من حقوقهن كل سنة ويتم تزويجهن كعرائس-طفلات... ويشكل زواج الأطفال مقدمة مفاجئة -غالباً ما تكون عنيفة- للعلاقات الجنسية. إن الفتيات الصغيرات يكن بلا حول لرفض ممارسة الجنس، وهن يفتقرن إلى الموارد أو الدعم القانوني والاجتماعي للتخلص من هذا الزواج المسيء"!
والتحرش أيضاً؛ حين يقوم الصفيقون بتعرية النساء لفظياً، وانتهاك خصوصيتهن على ناصية الشارع، أو في مكان العمل، أو يلامسوهنّ بوقاحة مفرطة في وسائل المواصلات العامة ويختنقن بشعور الاغتصاب وهنّ عاجزات عن الشكوى خوفاً من الفضيحة. وكلّ هذا يتركنا أمام السؤال الصعب إزاء بناتنا وأخواتنا: هل نشجعهن على البدء بتعلم خبرة الحياة خارج المنزل واقتحام الحياة، أم نحاول تجنيبهنّ الصدمة الأولى لدى الاعتداء الأول الأكيد على كرامتهنّ وتعرفهنّ إلى حقيقة الابتذال المنتشر بالطريقة الصعبة؟
يساورني بيت الشعر العربي الذي يُقرن الأنَفة والهرب من التعرض للاغتصاب بالاغتصاب: "وَعَلَّمَنا بِناءَ المَجدِ حَتّى/ أَخَذنا إِمرَةَ الأَرضِ اغتِصابا". ويحيرني السؤال الذي لا جواب له: لماذا هي الدنيا هكذا؟ لماذا نحنُ هكذا؟!

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   علاء الدين أبو زينة