تذهب القضية الفلسطينية باطراد إلى الظلال. لم تعد منذ زمن "قضية العرب المركزية والأولى"، ولا هي الآن أولوية على الأجندة الأميركية (ولو أن ذلك ربما يكون فأل خير)، ولا تُعنى بها مؤسسات حل المشاكل الكونية التي تقبض رواتبها من القوى العاشقة للكيان سراً وعلانية. لكن الأنكى والأمرّ، أنها لا تبدو مدرجة أيضاً -بما ينبغي من الجديّة والإخلاص- على أجندات فلسطينيين يُفترض أنهم متفرغون؛ مهنتهم الوحيدة في الحياة هي "العمل في القضية". وإلا، فما معنى كل هذا التوغل المثابر في منطقة السالب؛ والتنازل الثابت عن الثوابت؛ و"مغمغة" الوسائل والغايات وجعلها سائلة فضفاضة حتى لا يعرف أحد رأسها من رجليها؟! أم أن ثمة تخطيطاً عبقرياً تنكبّ عليه جماعة "القيادات" في الخفاء لاختصار الوقت؟
على قاعدة أن العلاقة بين الشعوب المحتلة ومستعمريها هي بالضرورة علاقة تناقض ولا يمكن أن تكون تكاملاً -ولو أن عندنا من يعتقدون ويشتغلون بفكرة التكامل- فإن المرء يندهش لأمور منها:
كيف يخاطب قائد الفلسطينيين زعيم الكيان -في لحظة غضب- بما معناه: إذا لم تفعل كذا، فسأستقيل، وتدبر أمرك، يا حفيظ السلامة، من غيري؟! هذا الترتيب، في الحياة الواقعية، طباق لحالة شخص يحمل مؤسسة على ظهره، ويهدد مديره بالانسحاب وتركها تسقط إذا لم يرفع راتبه مثلاً، واثقاً من استجابة المدير، بدفع الحفاظ على ديمومة مؤسسته. عظيم. إذا كانت استقالة "السلطة" ستؤرق العدو وتخلط أوراقه، فما المطلوب سوى ذلك؟ وعلى أساس أن المرء يقدم استقالته للجهة التي يعمل عندها، فلماذا لا تقدَّم الاستقالة للشعب الفلسطيني، وليس للكيان وأميركا؟ هكذا يتحدد صاحب العمل. وطبعاً، لَم يُستجب للمطالب ولم يستقل أحد، لأنهم لن يجدوا عملاً غير "القضية"!
وإذا عينوك متدرباً في مؤسسة، ووعدوك بأن يعيّنوك بعد سنة من التدريب أو نحو ذلك، ثم أبقوك متدرباً سنتين وثلاثا وعشرين، فماذا تنتظر حتى تبحث لك عن عمل آخر؟ وما السلطة الفلسطينية غير ذلك منذ أوسلو، حيث كان ينبغي أن تتهيأ وتتدرب حتى تستطيع إدارة الاستقلال وإدامة دولة؟ متى ستتخرج إن شاء الله؟ وعلام تدربت؟ إدارة قوات أمن أميركية التدريب والعتاد، عملها الأساسي حراسة نوم المستوطنين والمحتلين من "الإرهابيين" في الضفة؛ أخذ كتف عن الاحتلال وتحمل الكلفة عنه ببيع المواقف وتقديم التنازلات وممارسة كل أشكال التسوُّل والتذلل لجلب الخبز للفلسطينيين، باعتبارهم مسؤولية "السلطة"؛ تواجد "الشخصيات الرسمية" الفلسطينية في الاجتماعات بحيث يدخل في رَوع العالم أن الفلسطينيين نظير للكيان، وأن الأمر لم يعد احتلالاً، وإنما حوار طال نوعاً ما بين الفلسطينيين الصعبين و"الإسرائيليين" المترددين فقط في تقديم "تنازلات مؤلمة".
والفصائل، وما أدراك ما الفصائل. ربما لا يستطيع، حتى سياسي فلسطيني متفرغ -شغله "القضية"- تعداد الفصائل والتعريف بما تريده، بلا استشارة بحوث ومراجع. ما أغرب اختلاف الفلسطينيين الآن، أمام هذا الخطر الوجودي الداهم الماحق، على هذه الكثرة من الأشياء ليصبح كل مائة شيعة وفصيلاً له وسائله وغاياته! بأي شيء يتحررون إذا كانوا ينقسمون بمتواليات هندسية، مثل خلايا "ذلك المرض"؟ وما "القضية" سوى عبارتين: "فلسطين محتلة، وتتحرر بالمقاومة"؟ لكن الجماعة يختلفون على ما هي فلسطين، وما هي المقاومة. تصوروا! وكأن الأمر تهرّب ماكر من الشروع في المهمة ومماطلتها بكثرة الأسئلة، على طريقة اليهود والبقرة الصفراء! لكنّ الوقت الثمين يضيع: في كل لحظة تُبنى مستوطنة، وفلسطيني آخر يُستشهد. ما جدوى مدير لا يستطيع توحيد مؤسسته؟!
الآن، يقال إن العدو "مرعوب" من احتمال انتفاضة ثالثة، وهو يفتح كيسه لإنقاذ "السلطة" المرعوبة بنفس المقدار -ربما خشية أن يقوض "الرعاع" ما أنجزته للقضية. إذا كان الاحتلال يخاف من الانتفاضة، فلماذا نخاف منها نحن؟ لكن المحترفين في مؤسسة "القضية" سحبوا قضية غزة قبل وصولها إلى المحكمة الدولية –حتى تعطيهم أميركا دولة؛ ولا نشاهد نشاطاً يُلحظ بعد "الدولة غير العضو" لتجريم الاحتلال؛ وثمة كسل ملحوظ في محاولة إخراج "القضية" إلى الشمس. لعل فلسطين لم تعد قضية أحد -غير الذين بلا صوت. أما قضية "المتفرغين"، فكيف يُراوغون فصلهم مما يعتاشون منه: "العمل في القضية"!

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   علاء الدين أبو زينة