إذا شاهد المرء مسلسلاً مكسيكياً، ترحّم على الدراما العربية. فالقصة عندنا تبدو –مقارنة- أقرب إلى الواقعية، مقنعة إلى حد ما، وتنحلّ عقدتها في ثلاثين حلقة قبل أن يستهلكنا الملل. أما الدراما المكسيكية، فسلسلة لا تبدو لها نهاية في الأفق. وأظن أن الكاتب هناك يبدأ مشروعه بدون التزامٍ بخطّ قصّ صارم محدد المعالم واضح النهايات. وربّما يبدأ الممثلون تصوير الحلقات الأولى وإرسالها إلى المحطات للعرض بينما يسير الكاتب على التساهيل، آملاً أن يفتح الله عليه بأحداث جديدة في الطريق. وقد يضطرّ إلى حذف شخصية لسبب موضوعي: خلاف مع الممثل أو انتقاله إلى عمل آخر، فيدبر له وفاة مفاجئة بحادث سير أو جلطة. وقد يضيف أيضاً شخصيات جديدة ليكسر الرتابة ويفتح خطوطاً جديدة للقصّ.
لكن أكثر ما يُلفت في المسلسل المكسيكي هو كثرة المصادفات –أو اللامصادفات. مثلاً: تضيع البطلة من البطل ويبحث عنها أياماً وأشهراً، ثم يقف ذات يوم منتظراً أمام مصعد تكون هي هابطة فيه. وعندما تصل الطابق الذي فوقه مباشرة وتكاد تصل، ينظر في ساعته ويتأفف ويضرب الحائط بقبضته، ثم يتجه متبرماً إلى الأدراج. وما إن يبتعد مترين حتى يصِل المصعد، وتخرج البطلة وتتجه مباشرة إلى الباب دون التفات إلى الجهات. وفي عمل آخر، تضيع الابنة من أمها عقب الولادة مباشرة، ثم تدور الأيام فتعمل عندها بالصدفة عندما تصبح صبية بدون أن تعرفا الصلة. وفي الطريق، تحدث ألف صدفة –أو لاصدفة- حتى لا تكتشفا القرابة. فإذا جاء الوالد الذي ربى الابنة واجتمع بالأم في مكتبها، تستوقف السكرتيرة الابنة القادمة لرؤية ربّة عملها عند باب المكتب، أو يرنّ هاتف الابنة الخلوي ويطلبها أحد فتغادر؛ ثوان فقط قبل أن ينفتح الباب ويخرج الأب. وخُذ وعُدّ من المفارقات التي لا يعلم أسبابها إلا المُخرج.
مع ذلك، يشاهد الناس المسلسلات المكسيكية –ومنهم الداعي أحياناً. وطوال عرض العمل، يظل المشاهد ينتقد هذه الأعاجيب من عناد القدر وعمى الشخصيات عن الواضح البائن مثل الثور الأبرق. والشعور الغالب هو القهر، لأنّ المشاهد لا يستطيع أن ينّبه الممثلين إلى ما يفوّتونه من القرائن والإمارات والإشارات. وفي الحقيقة، لا يعرف المرء لماذا ينجذب إلى قصة ممطوطة لا تقنعه، لكنها تقهره فوق ذلك أيضاً! لكن، ثمة ميزة إيجابية تُذكر للمسلسل المكسيكي: يمكنك أن تفوت حلقة أو عشر حلقات، ثم تُعاود المتابعة وكأن شيئاً لم يكن، ولا تشعر بأنك ضيّعت شيئاً.
وهكذا، وبالمقارنة، نعتقد للوهلة الأولى بأن مسلسلاتنا العربية تعكس حياتنا كالمرآة الأمينة: إنها مرتبة مثلنا، قريبة النهاية، مجردة من التفاصيل الفائضة مثلنا، والشخصيات فيها لا تتغير ولا تموت –غالباً- ولا تغير عملها، وقلما يطرأ عليها جديد جوهري. وفي كثير من الأحيان، تمكننا قراءة النهاية من البداية: إما سيتزوج البطل من البطلة، أو أن أحدهما سيموت.
ولكن، هل تكون خبرتنا الواقعية مرتبة هكذا؟ إذن، كم من الأشخاص كانوا قريبين منّا حتى اعتقدنا أننا لن نعيش بدونهم، ثم غابوا وأصبحوا ذكرى باهتة كأنها ليست لنا؟ كم من الأشخاص الجدد يدخلون حياتنا ويصبحون أثيرين بحيث نعتقد بأنهم لن يخرجوا منها أبداً؟ وأيضاً، كَم منّا ما يزالون يطاردون الفرصة طوال عمرهم، لكنهم يقررون دائماً استخدام الأدراج بدل المصعد قبل وصولها بلحظة، أو أنها تدور على أعقابها عند الباب لسبب لا يعلمه إلا المُخرج؟ وكَم من المرات التي لا تُعدّ ولا تحصى، سارت أحداثنا الشخصية والجمعية في وجهات غير متوقعة ولا منطقية، بحيث كان القهرُ هو شعورنا السائد لأنّه لا دور لنا في صناعة الحدث، ولا إمكانية لتنبيه "الممثلين"؟!
وفي السنتين الأخيرتين، قرّرت جماعتنا تغيير النمط الطاغي، وثُرنا فراقبنا العالَم بانشداه وبشّر المبشّرون بالنهايات الرائعات. وإنما، في كل الأماكن تقريباً، ظل اللقاء بالمنطق والحريات والكرامات والأحلام الضائعة مراوغاً عنيداً، محكوماً بقدريّة غرائبية غير مفهومة. وإذا تأملنا حياتنا في هذه المنطقة العربية المتعبة، في واقعيتها السوريالية، لوجدناها مسلسلاً مكسيكياً مثالياً: طويل الحلقات، غامض النهايات، قليل الصلات، مُتخماً باللامصادفات، لأسباب لا يعلمها سوى المُخرج!

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   علاء الدين أبو زينة