ثمة عرض غير بهيج يتوج الآن حكاية "التغيير" في الأردن. ومن آخر مشاهد العرض: رقابة الهيئة التنفيذية "المؤقت" على التشريعية، بذريعة سوء اختيار المواطنين لممثليهم؛ وسورة العنف المتجدد في الجامعات الأردنية؛ وزيادة منسوب القلق العام مع ارتفاع كلف المعيشة باطراد؛ وتعمق الانفصال بين الناس والناس، والناس والسلطة.
المأزق الراهن، بكل تجلياته، جاء حصيلة حتمية لنشاط العقل السياسي السائد طوال عقود. ولأن العقلية لم تتغير، تجري إدارة الارتباك بمزيد من الارتباك. ويسود انطباع مبرر بأن منهج "الإصلاح" الراهن يتقصّد التهرب من مواجهة الاستحقاقات ويتجنب معالجة المقدمات، وهو ما يُرجح أن يعيد إنتاج الأزمة طالما لم توضع أسباب هبوط المعنويات الجمعية تحت المجهر بجديّة الباحث عن العلل بقصد إصلاحها. هذا طبعاً إذا توفرت نية الكف عن المناورة بترحيل الأزمة ومحاولة التعامل مع أصولها، بما يتطلبه ذلك من استعداد لتحمل "الآلام والتنازلات"، ونزع القداسة عن أشياء هي دنيوية أصلاً.
نتحدث عن برلمان غير مقنع يصعب اختيار وزراء منه؟ عن طلبة جامعات عنيفين يتحاورون بالهراوات والسلاح الأبيض؟ عن الخوف من أن تفرز انتخابات حرة بقانون عصريّ تياراً أيديولوجياً طاغياً غير مرغوب فيه –أو شرائح من الأردنيين يحسن استثناؤها من منطقة السياسة؟ عن تركيبة اقتصادية لا تستطيع إنتاج آليات ترفع سويّة العيش وتعطي الناس بعض الأمن؟
ما الذي كرسته السياسات السابقة لتنتج هذا الراهن المأزوم؟ كان العنوان فيما يبدو: إدامة الوضع القائم برعاية عناصر الفرز والتقسيم الكامنة في المجتمع، بحيث يمكن اللعب على توازناتها حيث يلزم. ويبدو أن ذلك الخيار كسب على حساب البديل الآخر: بذل كل الجهد لطمس الفروقات وتحييد الانتماءات والوحدات الفرعية، لصالح ترسيخ هوية أردنية توحيدية، وتركيز الولاء باتجاه واحد: وطن يخص الجميع ويعطي الجميع بالتساوي. وقد أنجب خيار التصنيف منافسات غير ضرورية، وفئات متفاوتة في الحصص والمصالح وأولويات الولاء.
مع الإقرار بأهمية الروابط القبَلية وتأصيلها في الترتيبات الاجتماعية العربية القديمة، لم يكن تنشيط هذا العامل وتحكيمه بهذا القدر في الإدارة الاجتماعية والنظام السياسي مقدمة موفقة لصناعة دولة قانون حديثة متجانسة. ولا شك أنّ زيادة دور العشيرة عن الحدّ الطبيعي، وترويج قدرتها على "حل مشكلات تعجز عن حلها الدولة"، خلقا ولاءً مفرطاً للعصبة، يتقدم على الولاء للمجتمع الأوسع والهوية الوطنية الجمعية، بما أضعف حكم القانون وهيبة الدولة وأضر بعدالة الفرص. وتظهر تجليات هذه المقدمة في أبرز عناصر الأزمة: تركيبات مجالس النواب، ونوعية طلبة الجامعات، وترتيب العلاقات الاجتماعية، وتحييد معايير الكفاءة، والعنف الجامعي والمجتمعي.. وهكذا.
ثمة مقدمة ثانية للأزمة، هي عناية السياسات بوضع الكثير من الخطوط تحت عنوان "الأصول والمنابت" التقسيمي أيضاً، وإعمال ذلك في صناعة أشكال عجيبة من الفرز: في طبيعة الوظائف والأعمال؛ النفوذ وحدود التقدم والطموح؛ تحديد نوع وحجم المشاركة في المشروع الوطني الاجتماعي والسياسي، وتفاوت الفرص، وغير ذلك. وكان من الطبيعي أن يرتب ذلك أيضاً درجات مختلفة مشروطة بظروفها من الانتماء الوطني ونوع المواطنة، بما شوه مفهوم الهوية، وقوض إمكانية استثمار الطاقات وفق الحاجات الموضوعية للمشاركة في إنجاح المشروع الجمعي. ولا يلغي الإنكار الكلامي والعاطفي لهذه المقدمة حقيقيّتها.
ثم هناك ما يقال عن تسيُّد تيار أيديولوجي معيّن –غير مرغوب- للساحة السياسية. وقد جاء هذا أيضاً حصيلة للتحالف الرسمي طويلاً مع ذلك التيار على مشترك سلبي: مناهضة الأفكار الجديدة التي تطرح بدائل للتغيير على أسس علميّة وتقدمية، باعتبارها تشكل تهديداً للبنى المستقرّة المصرة على كراهية التجدُّد. ورتّب عمل هذا التحالف ضد الاقتراحات البديلة تنفير الناس من السياسة، وتسويد صفحة العمل الحزبي، بحيث أصبح إقناع الناس بانتخاب الساسة على أساس برامج حزبية عملية عملاً شاقاً. فمن أين تأتي التعددية الضرورية لتشكيل حكومات برلمانية تمثيلية تطرح بدائل يمكن الاختيار من بينها؟
نريد دولة حديثة؟ يجب أولاً إعادة العواطف العائلية، ومسائل الالتزام العقائدي الشخصية، إلى مكانها الطبيعي: المنزل، وإقالتها من وظيفة إدارة المجال العام. كما لن تبلي أي دولة ناهضة حسناً إذا أصرت على إبراز أي عامل فرز بين مواطنيها.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   علاء الدين أبو زينة