تستمع إلى عازف ناي بارع، يستدرج بأصابعه البريّة والقطعان، ويراوح بين البحّة والصفاء، فتقول: الناي أروع ما في الوجود! ثم تصادف عازف كمان ساحرا، يجرّ قوسه على أوتار كمانه محركاً أوتار قلبك، فتقول: بل هي الكمنجة، سيدة الآلات! وترى عازفاً يحدُب على عوده، ويحرض الخشب الأعجم فيبوح  بأسرار وكلام، فتقول: الله، ما أروعه العود! وإذا سألني أحد ما أجمل الآلات، أقول: كل آلة في يد عاشق مثابر حتى يغويها بالكلام، هي أجمل الآلات على الإطلاق.
تصورّت لوهلة أن آلات الموسيقى مثل الناس، كلّ واحدة منها عالَم فريد مخصوص بلا شبيه. وعدلت سريعاً عن الخاطر: لا يمكن أن تنطوي الآلات على عنصر الشرّ البشري. ولو حدّثها العازف بانفعال شيطان، فإنّها تجيبه بالموسيقى فقط. وحتى عندما انقطع وترٌ في يدي ذات مرة وجرحني، كنتُ أنا الذي قسوت عليه بكثرة الشدّ. وكانت إصابة الآلة أفدح حين خسرت قدرة النطق بكثير من الحروف. وقد نستطيع أن نستخرج من الناس مكامن جمال بكثرة الحفر على معدن الخير، لكنهم غير مضمونين بعد كل شيء. أما الآلة الموسيقية، فلا تغدرك؛ لا تستغيبك. وإذا حادثها غيرك، فإنها تقول شيئاً آخر تماماً لا يخصك، ويستحيل أن تقول عنك أنت شيئاً –أيّ شي- إلا لكَ وحدك.
ومع ذلك، للآلة الموسيقية دلالها وطريقتها القاسية المتقصدة في العتاب –مثل الحبيب المهجور. وعندما شكوت لصديق عازفٍ جفاف أصابعي ونشاز العود عنّي وتعففه عن محادثتي، قال: "أنسيت؟ إنك تهجر الآلة يوماً، فتهجرك أسبوعاً!"، فماذا إذا غبت سنتين؟ عجيبٌ كيف تعاقبك! إنها تستعصي عليك، ولا تتعرف إليك. تسألها، فلا تقول لك شيئاً يرضيك، لأنك أصبحت غريباً. وإذا رغبت وصل القطع وتبديد الغربة، فيلزمك أن تجلس إليها ساعات في اليوم، وتتقرب إليها بدأب النمل، باللين والمثابرة وكثرة التوسل، حتى ترق لحالك وتقربك بطريقة المتفضِّل المستغني. وعندما تبلغ العلاقة بينكما شيئاً من الاكتمال، تستعين بها فتتحدث نيابة عنك بلغة غير أرضية، بلسان كوني معجز يفهمه الصينيّ واللاتيني والعربي والأعجمي، بل وحتى الورد والأشجار والعصافير!
عندما انقهرت من جفاء العود وقسوة عتابه، أحببت التعويض عن فشلي في التواصل بالاستماع إلى تقاسيم الآخرين –مثل المحب من طرف واحد، الذي ينشد بهجة مازوشية في مشاهدة عاشقَين متعانقين. واخترت رياض السنباطي، عازف العود المتفرّد بالبراعة، فامتلأت بحسد غير شرير تاجُه الإعجاب. يا الله! بأيّ طريقة استطاع هذا الرجل أن يقيم هذه الصلة العجيبة مع آلة العود! تسمعه يتحدث، فتجد كلامه عادياً وغير شاعري. وتقرأ تقاسيم وجهه، وقد توسطت غرته بقعة بياض زادت تقاطيعه حدّة، فيتولد لديك انطباع بأنك أمام رجل شديد النكد. لكنه يتناول عوده الذي كان منكفئاً على وجهه إلى جانب المقعد، وبدا مجرداً من المعنى، ويحتضنه ويغيب.. ويأتي السحر!
لستَ في حاجةِ إلى أن تكون موسيقياً لتفهم ما يفعله السنباطي، بل يفضّل أن لا تكون موسيقياً حتى لا يصرفك عجب التقنيات عن التشبُّع بالروحانية الفائقة. أما إذا كنتَ تحاول الموسيقى –وتتقرب من العود بالذات- فربما تفكر أنّ حياة واحدة لن تكفيك لتداني براعته. ستنظر إلى ريشة السنباطي وأصابعه، فتراها تصنع حركات تعرفها، وتعتقد بأنها تتنقل ببساطة شرب الماء. لكنك تسمع الموسيقى التي تسيل من أصابعه، فتنبهر. لا نغمة واحدة ناشزة؛ لا لمسة ريشة في غير محلها، ولا انتقالة لا تصاحبها السلاسة والروعة. في التقاسيم، ذلك الاستغراق المرتجل في مناطق النغم، تنفتح العوالم أمام السنباطي بلا تكلّف، وترتفع به من مقام إلى مقام بدون أن يضيّع طريق العودة إلى المبتدأ. وطالما تساءلتُ: لا أظنّ أن هناك شعوراً طاف بالسنباطي ولم يستطع إغواء عوده بأن يبثّه عنه بأجمل ما يكون. ولكن، هل أحسّ أبداً بأنه امتلك قلب الآلة وارتوى، فكف عن جدّ العاشق المُهمل في طلب محبوب مفرط التمنّع؟ لا أظن!
أستمع إلى تأملات السنباطي الروحانية -الصوفي الحقيقي الهائم أبداً في مقامات هواه العلوي، أشكره على اصطحابي في تجوالاته وإعادتي إلى التوق المقيم: محاولة ارتجال تقاسيمي وارتياد مقاماتي، بحرية طائر!

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   علاء الدين أبو زينة