ليست ظاهرة العصاب الاجتماعي الملحوظة بقوة في المجتمع الأردني أخيراً معزولة عن حركة العالم. إنّ الكرة الأرضية كلها تُصاب بقلق متواتر متسارع أكثر مما ينبغي في فترة حياتنا. وبينما نتحدث باحتفالية مفرطة غالباً عن سرعة "تقدم" العالم –في التكنولوجيا والاتصالات والعلوم- فإنّنا نحيّد الإحساس الرديء المُصاحِب بأن دوران الأرض حول الشمس أصبح سريعاً جداً علينا فيما يبدو. لقد أصبح اليوم، الأربع والعشرون ساعة، أقصر مما اعتدناه قبل عقد أو اثنين. أصبحت الأيام زلقة سريعة الهروب بحيث يكاد الخميس يعقُب السبت. وأصبحنا نشعر بعصف عجلة الزمن قريباً جداً، يطاردنا على الأعقاب مباشرة، حتى يعني التوقف للتنفس هنيهة أن نصبح متروكين في الخلف، لنركض وراء قطار الزمن الهارب المسرع لاهثين، دون طائل.
ربما يتفاقم الإحساس باختلال علاقتنا مع الزمن، لأنّ أيامنا تنقضي دون إنجاز شيء يعتد به في مشروعاتنا الفردية والجمعية، حتى يصبح تعاقب الأيام بلا معنى. هكذا، يبدو اليوم مثل الأمس، والغد مثل اليوم بحيث لا تعود الأيام تشكل علامات تجعلنا نلاحظها ونحصيها. وبلا اختيار تقريباً، أصبحت تحركاتنا مشروطة بالسمات الرئيسية التي تُستخدم أكثر ما يكون في وصف حركة العالم المعاصر: المنافسة، السباق، الصراع. وفي هذه الشروط، نجد أنفسنا دائماً متخلفين، وعالقين في نقطة قبل منتصف خط التقدم. وفيما ينزاح هذا الخط جميعاً باطراد، ينزاح موقعنا معه دون تغير الموقع، لنبقى متخلفين أيضاً قبل المنتصف، وبنفس المقدار. ولكثرة الخيبات، يهاجمنا إغواء الاستسلام للعبث، ويفكر واحدنا عدّة مرات في الخروج من الماراثون المتعب، والكفّ عن الجري، والجلوس على الرصيف، ومراقبة الآخرين وهم يهرولون.
بماذا يمكن أن نصف أنفسنا، وقد انتقلنا في زمن قصير نسبياً من الحياة الريفية البسيطة، بلا كهرباء ولا معرفة عمّا يقع خارج حدود ما يمكننا قطعه على الأقدام، إلى زمن العولمة والاشتباك مع تعقيدات العالم الواسع؟ أزعم أنّ خللاً وقع في التكيّف، في المواءمة بين سرعة التطور التقني المجنون شديد السطوة، وبين إيقاع التغير في فهمنا للعالم وتطور آلياتنا الإدراكية وسويّة ذكائنا الاجتماعي. وإذا تأملنا الشخصية النمطية في الأردن مثلاً، فإننا نجد نفس الشخص المتسربل بالتقنية ومظاهر التحضر، الذي يحمل ثلاثة هواتف خلوية، وحاسوباً نقالاً، ويرتدي بذلة عصرية ويطعّم لغته بمفردات إنجليزية (غير دقيقة غالباً)، هو الذي يتحرك اجتماعياً بعقلية الفلاح والبدوي القديم. إنّه نفسه الذي يضع "قنوة" تحت مقعد سيارته، ويحتال حتى يأخذ دورك على طابور الخبز، ويشتمك بأقذع السباب من شباك سيارته إذا لم تعجبه سياقتك، ويتسلل إلى داخل الحرم الجامعي ليشارك ابن عمه في مشاجرة عشائرية، ويستخدم الواسطة لتسهيل أموره وأخذ فرصتك. أما إذا ارتقى إلى موضع مسؤولية، فإنّ هذه السمات بالذات تصبح أكثر من ضرورية لحماية وضعه الجديد، والأكثر استخداماً في أدائه الرسمي. والصورة كاريكاتورية: شخص مقسوم طولياً إلى قسمين، على اليمين نصف رجل كهف، صاحب هراوة وشعر طويل ولحية كثة، وعلى اليسار نصف رجل بربطة عنق وحقيبة "سامسونايت". -أو مقسومة عرضياً إذا أردت، إلى جزأين متصارعين: ما تحت الحزام وما فوقه وما يعنيه ذلك. وهاتِ، حُلّها يا حفيظ السلامة!
على الأغلب، تكونت شخصياتنا الفردية المفصومة بهذا الشكل، منفصلة عن العقل الكوني العملي القادر على المنافسة، بفعل إدارة أمطرتنا بالتقنية وبالدعاية لإغوائنا باللهاث لدفع كلفتها من جيوبنا الفقيرة، وأهملت العناية بعقولنا بحيث اكتفينا من الفائدة بمجرد تكبيس الأزرار. والنتيجة: أزمة أخلاق عنوانها ازدواجية المعايير، أزمة إنتاج عنوانها بؤس الإنتاج؛ أزمة نفسيّات عنوانها الانفصال؛ أزمة انسجام عنوانها الشجار، والمجموع: مجتمع عصبويّ بسبب العصاب! وقد اصطحب خطيب جامع حصيف معه إلى خطبة الجمعة الأخيرة "قنوة"، استخرجها من تحت عباءته ليختصر بها فكرته: أيّها المؤمنون، ألا ترون أن هذه أصبحت وسيلتنا لحل مشكلتنا مع الحياة!
قصفنا بعنوان "المنافسة"، بما نمتلكه من أدوات بائسة للمنافسة، جعلنا نترجم ردة الفعل بفكرة "الصراع". وليس صراعاً عالي المستوى بيننا –كمجموعة- وبين المجموعات أخرى، وإنما عند مستوى أصغر الوحدات: صراع الفرد مع الفرد، بل الفرد مع تناقضاته وذاته المأزومة!

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   علاء الدين أبو زينة