مررت أمس بثلاثة أماكن في بضعة كيلومترات، حيث اقتلع أحد أو قصَّ الحواجز التي تضعها الجهات المعنيّة لاختصار حوادث السير المتكررة في مواضع خطيرة. ودائماً أستغرب: كيف ومتى يستطيع أحدٌ أن يقصّ الأنابيب المزروعة في الإسفلت أو الحواجز الحديدية في الجزر الوسطية؟ أي معدّات ومناشير يستخدم، وكيف يتخيّر الوقت ليمارس نشاطه التخريبي دون أن يلاحظه أحد؟ كيف يعيّن شخصٌ نفسه وكيلاً عن محبّي مخالفة القوانين وتعريض أنفسهم وغيرهم للخطر، فيسهّل لهم مهمة انتهاك القانون وإيذاء الآخرين؟ لا بدّ أن يكون شخصاً شديد البراعة والشجاعة ليفعل كلّ ذلك!
وهناك الذين يسرقون أغطية المناهل من الشوارع، فيعرّضون الناس ومركباتهم لخطر الوقوع والأذى. لا بدّ أن تكون سرقة شيء تملكه الدولة والمواطنون، وفي شارع مكشوف، مهمة تحتاج البراعة والشجاعة أيضاً. وقد سمعت عن لص أغطية مناهل أبدع في أسلوب السرقة، على طريقة أفلام "الآكشن" الأميركية، فأحدث فتحة في أرضية شاحنة صغيرة مغطاة "فان"، وركب فيها رافعة تستطيع اقتلاع الغطاء المعدني الثقيل وحمله إلى الشاحنة في وضح النهار. وما تزال البلديات تشكو من سرقة أغطية المناهل، حتى بعد لحام الغطاء بالقاعدة، لكن اللصوص تغلبوا على اللحام وغيره. إبداع آخر!
وهناك أساليب النصب المحليّة العبقرية التي لم يتصورها أرسين لوبين وأجاثا كريستي. وكنّا تندّرنا بالقصة -التي لا أستغرب صحتها- عن النصّاب المحلّي المُبدع الذي باع لمستثمر عربي دوار الداخلية، باعتباره "لقطة" وقطعة تجارية محاطة بالشوارع بشكل مثالي! ونعرف بالتأكيد عن الجماعة الذين يلقون بأنفسهم على السيّارات ويرتبون الأدوار في "الحادث" مثل الفيلم الهندي، ليحكموا اصطياد المواطن الخائف أصلاً من كل شيء. ولدينا الجماعات المنظمة التي تخدع المسنّين من المواطنين وتسلبهم أراضيهم وممتلكاتهم، وأخرى تسرق السيّارات وتعيدها بفدية؛ ونصّاب البنوك الذي يوهم المرتادين بأنه موظف صندوق أخطأ في العد ويأخذ نقودهم. وعندنا أيضاً منجم الشعوذة، حيث يُهرع مريض عربي أعيا داؤه الطب، أو سيدة حرمها شيء نعمة الإنجاب أو تحوّل عنها زوجها، فيستصرخون "شيوخ" النصب
–وما أكثر "الأولياء" الأثرياء عندنا- كملاذ أخير. وأخيراً وليس آخراً، هناك تقليد اللهجة السورية لمختلف الأغراض، والمتاجرة بالأشقاء اللاجئين على مختلف المستويات!
لدينا الإبداع المؤسسي أيضاً في اختصار طرق تكسب الأفراد والجماعة: مسؤولون يبتكرون "مشاريع عامة" عديمة الجدوى ولا أمل في نجاحها، بقصد السمسرة والخروج ببضعة ملايين؛ عقول متخصصة في إنجاح وترسيب نواب البرلمان، وتفصيل الهيئات التشريعية على المقاس وبالقسطاس؛ هيئات تبرع في تحميل الناس كلف الفشل الرسمي في التخطيط لتحسين معيشة الناس، وتسوّق الفشل باعتباره خطأ المواطنين ويحملونهم مسؤولية تعويضه بالضرائب والأسعار؛ جهابذةٌ في "الخصخصة" سحروا ألباب الناس، وأغروهم بالذهاب طوعاً وهم يضحكون ويلعبون إلى دفع كلفة تعليم أبنائهم من جيوبهم الفقيرة للمدارس والجامعات الخاصة، وتحمّل كلف التأمين الصحي الفاحشة وكل أشكال الخدمات العامة التي تعتبر في أماكن أخرى حقوقاً مكفولة للمواطن على الدولة.
في المقابل، قلّما نشاهد احتفاء بابتكارعبقري في مجال الطب، الصناعة، الزراعة، الأدب، تطوير المجال السياسي، تنمية العقل الاجتماعي، التخطيط الاقتصادي للخروج من دائرة الاستهلاك والاعتمادية الشرسة... وهكذا. وفي النهاية، نسأل بعضنا: "كيف ترى الأمور؟" والجواب الغالب، والمختصر المفيد: "عودة إلى الوراء!"، والمأساة أن مردّ ذلك ليس قصوراً أصيلاً في عقل الناس، بقدر ما يشف عن قصور أصيل في توجيه الطاقات الإبداعية الوفيرة إلى حيث يجب.
من الطبيعي أن يزدهر الإبداع المؤذي حيث لا يجب من تخريب ونهب ممتلكات عامة إلى نصب بارع، في غياب المنافذ والفرص لتصريف الطاقات في نشاط إيجابي. ويعني ذلك اختلالاً مرَضياً تجدر ملاحظته في شعور الناس بالانتماء والمسؤولية، ربّما لإحساسهم بأنهم لا يملكون شيئاً يعتد به في البلد –خاصاً أو عاماً. ولذلك يندر النشاط المدني التطوعي، تنظيف الأحياء أو دهان الأطاريف مثلاً، ناهيك عن الحفاظ على المرافق العامة.
الكثير من المبدعين الإيجابيين أيضاً -في الفكر والعلم والثقافة والفنون والأكاديميا- عالقون في منطقة الظلال والإهمال، حيث لا يجب. لهذا يغلبُ احتمال وقوعنا ضحايا لمبدعي الأذى!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد علاء الدين أبو زينة