ما عاد عنف الجامعات الأردنية عرَضاً موسميّاً يصاحب الانتخابات الطلابية، ولم تعد أضراره مقصورة على تحطيم المرافق؛ وإنّما تحول إلى كابوس مقيم، يحصد أرواحاً ويوقع جرحى بأعداد تُجاوز ضحايا بعض الحروب الأهلية. وفي حين كنا نقي أبناءنا مغبّة ارتياد الجامعات أيام الانتخابات الحرجة –وننفّرهم من خبرةٍ ديمقراطية- أصبحنا نودّعهم بالقلق والدعوات يومياً، وكأنهم ذاهبون إلى ساحة اشتباك. ولفرط تكرار المعارك، وتطورها الدراميّ من التلاسن إلى "الكلاشينات" أخيراً، تصبح الجامعات باطراد أسوأ من الإصلاحيّات، حيث لن يرغب أحدٌ ذهاب أبنائه ليتعلموا "الزعرنة" والإجرام، أو يتعرضوا للأذى. بل إن احتمال الموت والإصابة في السجون والإصلاحيات أقلّ بكثير من احتماله في الجامعات. عجباً!
إذا كانت الجامعة، التي تعتبر حرَماً آمناً محرّماً على التدخلات والسلطات، قد أصبحت عندنا موضعاً دائماً لاقتحامات الشرطة والدّرك، فإنّ من المعقول أن نكف عن تسمية ما لدينا جامعات، وبدلاً من الأكاديميين، يحسُن أن يديرها الشرطة والخبراء الاجتماعيّون والنفسيّون والسلوكيّون، وأن تكون سنتها الأولى تحضيرية -مساقات كثيفة في التكيّف الاجتماعي والتواصل وقبول الآخر والأخلاق. لم يعد يُعقل التعامي عن الظاهرة باعتبارها معزولة، بعد أن سوّدت كثافتها وجوه جامعاتنا، وصنّفتها مواطن عنف أكيد. وبعد أن كنّا وجهة للعِلم، نتساءل الآن عن رغبة العرب إرسال أبنائهم للتعلّم في الأردن، والمخاطرة بفقدانهم، كمن يرسل ابنه إلى معسكرات باكستان وأفغانستان!
وفي الحقيقة، قيل كل ما ينبغي في هذا الموضوع المتعب، لكن السكوت ليس خياراً أيضاً، علّ كثرة الدقّ تفكّ اللحام الصدئ المتشبث. كما أن التجاهل لا يعفي أحداً من عنف الجامعات غير المنفصل عن السياق الاجتماعي المتوتر الذي يلفنا جميعاً. وما عدنا نعدم في أيما وقت مصادفة شخصيّات "تأبّط شرّاً وخرج"، بعد أن كثر الذين يقاتلون ذباب وجوههم، والمتحفزون للشجار عند كلّ منعطف. وأصبح يكفي أن تشتعل الشرارة بالعبارة المتحرّشة السخيفة –والتخريبية الخطيرة مع ذلك: "ليش بتتطلع فيّ.. مش عاجبك؟!".
ربما يكمن السرّ في هذه العبارة بالتحديد، وهي التي تقول الكثير عن أزمة "الأنا" الفرديّة. لعله فرط الإحساس بتضخم الذات الفردية المرضيّ، أو بهشاشة "الأنا" وعبثيتها حدّ محاولة التأكيد على إبرازها بالعدوانية –أو هو الأمران معاً. وإذا كان هذا النكوص عن المحيط والتركّز حول الذات ليدلّ على شيء، فإنه: غياب المشروع الجمعي. ويعني ذلك، عملياً، ضعف الإحساس بجدوى المجموع، والاضطرار إلى اجتراح مشروعات فرديّة منذورة للفشل غالباً بسبب ضيق الفرصة. هكذا يتعمّق الانفصال والتنافس على حساب التكامل والتشارك. ولا عجب في ذلك عندما يشعر الفرد بأنه مكشوف، وبأن الدولة لا تُسنده ولا تؤمّنه، بل وتثقل كاهله الفردي بتحميله كل المسؤوليّة عن تدبّر أموره وحده.
باستشارة التجربة الجامعية، والاجتماعية، الأبكر في الأردن، سنتذكر من أجواء السبعينيات والثمانينيات أشكالاً من المشروعات الجمعية التي كانت تنوب عن المشروع الرسمي. على سبيل المثال، كان الانشغال الموازي للتعلّم في الجامعات، متعلقاً أكثر بالانتماء إلى الجبهات والأحزاب والأفكار. ومع أن تلك الانشغالات كانت متعارضة مع خطّ الحكومة، فقد شكلت "مشروعات جمعيّة" تغري الشباب بالمشاركة، بأمل تحقيق غايات فردية وجمعيّة. ولأنّ تلك المشروعات انطوت –موضوعياً- على عنصر تنوير، فقد مرّنت العقل على التفاوض وقبول الآخر، ولم تتطور الاختلافات إلى اشتباكات. ومع أنّ من التجنّي الزعم بأن كل طلبة الجامعات كانوا حزبيين، فإن المحايدين كانوا يشعرون بوجود هذه التيارات الغامضة المؤثرة في مناخات الجامعات، وربّما يخجلون من التقاتل على ما هو أقل. وكانت مقدمة ذلك قطعاً هي تركيبة الطلبة الأكثر تنوعاً بما لا يقاس، والتي لم تكن تتيح كبير مجال للتشكيلات غير الفكريّة.
الآن، ماتت تلك المشاريع الآملة، ولم يبتكر أحد مشروعاً وطنياً واقعياً يشُدّ الناس من جاذبية الداخل المتوحد المأزوم، ويُشعرهم بدفء المجموع وضرورته. وهكذا، يحاول الفرد اغتصاب "إعجاب" الآخرين لذاته المنفصلة بالعدوانية، بمن فيهم الدولة. وما لم يكن مشروع "الإصلاح" هو جمع الناس على مُشترك عملي واعد، فسيكون شغله الوحيد هو المعالجة السلوكيّة فقط، لمجتمع يتحول إلى إصلاحية كبيرة!

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   علاء الدين أبو زينة