لم أصدق موتك، مثلما نعاند كلنا حقيقة الموت أول الأمر بالإنكار. اعتقدت لدى رؤية الخبر أن أحداً يمزح، ثم تعللت لحظة –متجاهلاً لاإنسانية الفكرة- بأن يكون الأمر مجرد تشابه أسماء، وأن يكون الذي رحل شخص آخر لا أعرفه. لكني رأيت الصورة. آه يا صلاح، ما الذي ذهب بك يا صاحبي إلى حيث ينتظرك الموت سهواً في الصحراء؟ صلاح غنام، صديقي نفسه الذي استوقفته قبل ساعات فقط في ممر الجريدة، واستدرجته ليحدثني عن ميسّي وبرشلونة. الآن، تهجم نبرته المتحمسة على فضائي الذي أعتم كثيراً وضاق. أسمعه يناكف الزملاء الذين يحبون مناكفاته، ويملأ فضاء الكفتيريا الصغيرة خلف مكتبي حياة وهو يتحدث في الرياضة، والسياسة، والحياة، متقمصاً دائماً موقف المعارض الذي يداور فكرته ويؤكدها بارتفاع الصوت، ولا يتنازل.
أفكر الآن بكم هي الدنيا كذبة، وبكم نحنُ بؤساء أمام السرّ الذي تخبئه لنا اللحظة القادمة. أفكر بموعدنا المؤجل منذ الصيف الماضي للخروج في سهرة أخرى! ضاعت الفرصة يا صلاح. ربّما يخفّ وجع فقدك قليلاً بغير ذلك القسط المؤجل من الذكريات في صحبتك؟ لكنّه لا يخفّ.
لا أتذكر الآن كيف عرفت صلاح أول الأمر، ربما لأنّه يدخل حياتك بلا علامات ولا ضجيج وببساطة القُرويّ، لكنني أتذكر أنه أثير حبيب وحسب. كنت أتحسّس دفء صداقته كلما جاءني مستشيراً في شأن شخصي، أو ليطلعني على شيء كتبه ويريد تعقيباً متعاطفاً عليه، أو كلما خالطه ضيق من أحد، وأراد التخلص من العاطفة المريبة. كان يبدأ الحديث مشدوداً قليلاً، وينتهي منه دائماً نظيف القلب كما هو، وقد زايلته أي رغبة في الانتقام أو الدسّ أو الشكوى. وأنا، كنت أشعر أنّ لي سنداً في المكان، شخصاً يمكنني الاعتماد عليه أنّى احتجته وفي أيّ شيء. كانت وشيجة الاحترام والمحبّة دائماً هناك، ولذلك استودعته أكثر هواجسي شخصيّة وخصوصيّة، وكأنني أحادث مرآتي فقط، ولم أحسّ لحظة بأنني أفرطتُ، ولا ندمت.
كنت أحبّ طريقة صلاح غنّام في تبرير حبّه لنادي برشلونة مثل حبّه لنادي الوحدات. كان يلعب باللغة، ويفشي بقصد وبلا قصد حبّه المخفيّ والمعلن لفلسطين: اسم ملعب برشلونة هو "نيو كامب"، يعني المخيّم الجديد. وفي كل المخيمات التي يتكاثر فيها اللاجئون، كان هناك دائماً "مخيم جديد" ليستوعب أولاد النكبة. كما أن الإسبان الكتالان يتوقون إلى الحريّة والاستقلال بإقليمهم، مثلما يشقى الفلسطينيون من أجل الاستقلال والحريّة. هذه كانت طريقته في مزج حنينه الوطني بالرياضة التي انشغل بها. وبنفس الطريقة التي تجيد توليف الأشياء، ظل يحاول حلّ التوتر بين واجبه الوظيفيّ في الجريدة، وعمله التطوعي في نادي المخيم. أحياناً، يقول إنه تعب ويريد التفرغ -لا أدري لأيّ من انشغالاته- لكنه لم يكن يتحمل فكرة التخلّي عن أيّ مما ينشغل به. وكنتُ أمازحه وأدّعي العتب كلما دعاني للحديث على فنجان قهوة، ثم انشغل عنّي معظم الوقت بمكالماته الهاتفية التي لا تنتهي، وجلّها متعلقة بالنادي، والانتخابات، والإجابة عن استفسار أحد ما.
لم أحبّ يوماً فكرة "ذكر مناقب الفقيد"، لكنّني رغبتُ التخفّف من عبء العجز أمام جبروت الموت بالكتابة بعد أن خذلتني الدموع، علني أستوعب حقيقة رحيله باستحضاره، كما تفعل الباكيات. وفي خلفية الألم العاجز يتردد فقط قول الشاعر: "يحكون في بلادنا، يحكون في شجَن.. عن صاحبي الذي مضى، وعاد في كفن"!
لن يسألني صلاح الدين غنام مجدداً متى سأفرغ من أشغالي لنقضي الأمسية المؤجلة معاً. لن يسألني مرة أخرى إذا لاحظت نجاحه في خفض وزنه الذي لا يعجبه، وأقول له دائماً أنني لاحظت الفرق. لن أكون الوحيد الذي يفتقده، وهو الذي كان يقطر صداقة. لكنّني نقصتُ اليوم شيئاً لن يعوضه شيء. والجريدة أيضاً، فقدت بغياب صلاح غنام شيئاً من نسيج روحها نفسه، والذي لن يعوضه شيء أو أحد!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد علاء الدين أبو زينة