ربّما لا يليق التبسيط في موضوع معقد مثل سورية الآن، لكنّ كل ما حدث هناك ضيّع تماماً معايير اللياقة. ولذلك أبسط فكرتي بالمجاز:
أتصوّر بيتاً مسوّراً في حيّ كبير، فيه مبانٍ وحدائق وسكان. ومثل كلّ البيوت المنطوية على علاتها، يرتبط سكانه بعلاقات مركّبة. مثلاً: عمُّ متجبّر يستأثر بالنفوذ، وأبناء لحاكم الأسرة وأبناء أخ يتامى، وزوجات وأخوات وميسورون وفقراء.. وكالعادة، يرتبط جيران الحيّ وآخرون بعيدون بأشخاص في البيت؛ واحد يصادق العمّ، وآخر يحبّذ ابن الأخ اليتيم، وواحدة تعرف سيدة البيت وأخرى تجامل الأخت. ثمّ يشتعل البيت بمن فيه. يبدأ نقاش ساخن على الاختلالات والمظالم، ثم ينخرط الجميع في عراك دموي، وتتهاوى الأشجار، وتنهدم الحيطان، ويتطاير الأثاث والأطراف والرؤوس.
ويقف القريبون والبعيدون على سطوح منازلهم يتفرجون. وقد يتكلفون مع الفرجة شكلاً من التدخل، فيلقي واحد بعصا أو مقلاع لصاحبه في البيت؛ ويختار آخر ملء دلو من الماء وقذفه على الحريق؛ ويهتف ثالث لصاحبه في المعمعة مشجعاً وموجهاً: إضرب، إذبح، دمّر، إعقل، صالِح، لا تصالح! وسينخرط آخرون في الجدال والتعليق: هذا محقّ، هذا مجرم، هذه حريّة، هذه فجيعة، فليعش هذا، فليمُت ذاك. وهناك مُراقب أبعد، لا تعنيه التفاصيل، وإنما يرى جملة الأشياء تتهدم وتحترق والأشلاء تتطاير والصراخ يعلو. وسوف يكون شعوره، حسب أسبابه: إما الأسف على هذه القطعة التي تسودّ وتتداعى من الجوار؛ وإما الشماتة وبدء التفكير في الاستيلاء عليها بالشفعة أو النفوذ، عندما تخرب ويصبح أهلها هالكين. وقد يفكر آخر في لمّ جماعته والذهاب إلى هناك من أجل "الشيخة" أو مناصرة أحد، لكنّه يخاف أن تطاله ضربة طائشة، فيقول: فخار يكسّر بعضه، أذهب عندما يهمد الجميع! وسيقول آخر: فلتشتعل ولأبقِها مشتعلة هناك، فتنطفئ عندي وتخاف جماعتي من عواقب الثورات! ولا بأس أن أرسل المجانين الذين جننوني من عندي فيموتوا هناك!
بشكل أو بآخر، يندرج الجميع –باستثناء المشتبكين داخل البيت- ضمن هذه الفئات. وكلّهم يدّعي صداقة سورية ولا ينام الليل قلَقاً عليها، وكلّهم يُسند موقفه بأخلاقيّات وإنسانيات، حتى أصبح الموضوع السوري الآن عرضاً مُفزعاً للارتباك المفاهيمي والنسبيّة غير الخلاقة. ولكثرة الطبّاخين، استحال نضوج حالة سويّة متساوقة يمكن هضمها هناك. والعناوين الأخيرة تلخّص المقدّمات: تفكّك سورية-الدولة، ونكبة أهلها وقتامة آفاقها. وقد تواضَع البعض فخففّوا فلسفتهم انطلاقاً من الاعتراف بهذا الواقع الأخير، ولم يفعل آخرون. لكنّ جميع "أصدقاء سورية"، من أنصار النظام، إلى المنتصرين لعدالة الفقراء، إلى الكُتّاب والمعقّبين المتناحرين، لا يمكنهم التجاوز عن هذه الحصيلة وافتعال الجنّات من الجحيم.
أتصوّر أنّ صديق سورية، هو الذي يشفق على سورية المطلقة، على هذا الركن العريق في الحيّ العربي الذي يضمّ الأقارب والتراث والتاريخ. ولتكن لنا ميولٌ وعواطف تفصيلية، لكن أي شيء لا يسوّغ المشاركة أو التسبُب في هدم حجر هناك أو إزهاق روح سوريّة. وإذا لم يكُن بدّ من التدخل، فينبغي أن يكون مبدؤه وغايته حقن الدم، ومحاولة التجميع، وتشجيع التحاوُر، والحفاظ على منجز سورية الحضاري والمادي الذي يخص السوريين والعرب والإنسانية، ولا يُسعد تدميره إلا أبعد الناس عن صداقة سورية.
ليس صديقاً لسوريّة من يمدّ المتقاتلين بالعصي والمقاليع ليقتلوا ويهدموا سورية. وليس من الفكر الإنساني العالي أن يهتف أحد من بعيد ويحرض أي طرف على القتل تحت العناوين الكبيرة: ثورة الشعوب، نصرة نظام "مُمانعة"، عودة الخلافة الإسلامية من باب سورية، تدمير إيران. وإذا كان التصفيق للأصدقاء في سورية يعني موتهم وهجرتهم وغرقهم في العداوات الطائفية والثارات، فإنّ الانتصار لهم بزجهم في قتال مميت ونجدتهم بالهتاف من بعيد يحتاج إلى مراجعة. وكذلك التطبيل لنظام يدافع عن بقائه الشخصي وغرامه بالسلطة، فيقتل بلا شفقة أبناء سورية، بدعوى الدفاع عن وطنيّة سورية.
يمكن قياس أخلاقية سلوك الخارجيين تجاه سورية بأسئلة بسيطة: هل يُسهم عملي، نشاطي أو كتابتي في زيادة موت السوريين وخراب بيت سورية، أم أنه يخدم بقاء سورية -المكان والناس والتاريخ والمعنى، بأقل الخسائر وبالمتاح من المكاسب؟ هل أوصي هناك بما كنت سأوصيه لبلدي؟ الجواب سيحدد صديق سورية!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد علاء الدين أبو زينة