ليست فوضى السلاح اختصاصاً عربياً صرفاً فيما يبدو؛ فالعنوان نفسه يتصدر اليوم مشكلات الولايات المتحدة التي تعرض نفسها أيقونة للتحضّر. هناك أيضاً، يقتل مراهق مضطرب زملاءه في الصفّ. وهناك أيضاً، نفسية تستأنس بالسلاح، يعززها تجار الأسلحة بترويج اقتناء السلاح كحرية شخصية أساسية. لكن المشترك بيننا وبينهم هو الإدراك المتأخر لحقيقة أن فلتان السلاح مشكلة تتهدّد أمن المجتمع واستقراره.
في أميركا، تتأصل علاقة الفرد بالسلاح في الصورة الأميركية النمطية: "راعي البقر" الذي يدير مزرعة في الغرب الأميركي الموحش، ويدافع عن عائلته وممتلكاته في وجه "المستكشفين" الآخرين بتعليق مسدسين من حزامه. ويُماثل ذلك في المجتمعات العربية حياة القبيلة المنعزلة في الصحراء، ودفاعها عن مواشيها ومناطقها أمام غزو الآخرين -أو قيامها بغزوهم هي نفسها. ولم يكن من الممكن –موضوعياً- أن يعيش العربي الصحراوي القديم في القبيلة أو يتجول في البراري بلا سلاح في بيئة عدائية تنافسيّة معدومة الثقة. وهكذا، كان السلاح ضرورة للبقاء البيولوجي والاقتصادي، مرتبطة بمفاهيم الذكورة والفخر. وما تزال مجتمعات عربية تحتفظ بقوة ذلك الرمز في المظهر الشخصي، فيكون الخارج بلا خنجره في بعضها مثل السائر بلا ملابس، والمفرّط بذكورته وشخصيته. لكنّ المشترك الواضح بين راعي البقر الأميركي والبدوي العربي كان غياب الحماية الخارجية التي تنوب عن الفرد في حماية نفسه وسبل عيشه: الدولة.
الدولة في شكلها المثالي، هي التي يطمئن الفرد إلى حيازتها وسائل القوة نيابة عنه، مقابل تعهدها بحماية مكتسباته وأمنه بالقانون. وستحرص الدولة الناجحة على منع الأفراد من تحدّي تطبيقها للقانون بعدالة تحفظ حق الجميع، سواء برفع سلاحهم في وجهها، أو بفرض قوانينهم وتطبيقها بأنفسهم. أما إذا احتفظ الناس بالنفسيّة الموروثة الخائفة التي تطمئن إلى سلاحها فقط، وتظنه ضرورة لإخضاع الآخرين أو أخذ الحقوق والاستئساد على مواطنيها، فذلك خلل في أهلية الدولة وأدائها. ويبدو أن الدولة العربية الأبوية هي نفسها، تجد حرجاً في المساس بهذه النفسية غير السويّة، خوفاً من إثارة المشاعر وملامسة المحرم. وفي بعض الأحيان، تتسامح دولنا مع سلاح فئات مخصوصة من المواطنين، شراءً لولاءاتهم أو خصّاً لهم بامتياز، أو ادخاراً لسلاحهم في ترسانة سلطتها. لكنّ هذا النمط خطير على المواطنين والدول معاً، وينطوي على احتمال التفجّر بمختلف الأشكال.
هنا في الأردن، دفع الكثيرون ثمناً في الأرواح جرّاء اقتناء السلاح الجائر. هناك ضيوف أعراس سقطوا في القصف الكثيف جزاءً وفاقاً لمراعاتهم واجب المشاركة –بل كثيراً ما كان صاحب العرس هو الضحيّة. هناك مواطنون اغتالتهم رصاصات مجهولة المصدر، وذهبوا ضحايا لفرح الآخرين وهم جالسون في شرفات منازلهم. وآخرون قتلوا أبناءهم بالخطأ وهم ينظفون السلاح، أو قتل أبناؤهم أنفسهم وهم يعبثون بالسلاح. وثمة أشخاص قتلهم مواطنوهم المسلحون بسبب شجار على مسألة تافهة، أو ذهبوا ضحايا لثأر ليس لهم فيه ناقة ولا جمل، أو برصاص منحرف امتلك قطعة سلاح بجهد قليل.
سنواتٍ عايشنا ذلك، ورأيناه يُعامل باستسهال، حتى أفرجت المسألة أخيراً عن بعض مكنوناتها الخطيرة. توتّرت أعصاب الناس، واختل توازن النفسيات لمختلف أنواع الضغوط، وأصبحت أسلحة "الذكورة والحماية والفخر" كثيرة الاستخدام -كثيراً بين المواطنين وأحياناً ضدّ الدولة نفسها. وتبيّن أن ما كان يُعامل خطأ على أنّه احترام للغريزة الاجتماعية والنفسية القديمة، يمكن أن يدمّر التركيبة الاجتماعية والنفسيّة الجمعية. وربّما تساءل كثيرون منا بقلق في "الربيع الأردني": ماذا لو أخطأ شخص، لا سمح الله، أو تصرّفت جهة غادرة عن لؤم وقصد، فسال دم هنا أو هناك؟ أيّ شيء كان سيضبط الأسلحة الفالتة وينقض منطق استصراخ الدم للدم؟! من كان لينجو، أياً كان، في بلد فيه مليون قطعة سلاح غير مرخصة، ومئات آلاف مرخصة، وسهولة امتلاك آخرين سلاحاً إذا لزم الأمر؟
الأحداث الأخيرة التي طالت أرواح المواطنين وهيبة الدولة معاً، يجب أن تعلّم مواطنينا –المسلحين قبل العُزّل- أن فوضى السلاح ليست مكسباً لأحد. سيكون مأمن الأردنيين في تكاتفهم وتحييد تناقضاتهم؛ في تفكيك أسباب التوتر وتبديد الشكوك بتأكيد عدالة الفرص وسيادة القانون، وإدراك أن التقدّم وحده هو سلاحنا الأمين.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   علاء الدين أبو زينة