اختلطت أوراق المشهد العربي منذ حادثة البوعزيزي في السوق التونسية. وكان المشهد قبل ذلك "مرتباً" على فوضى، كاشفاً عن مظهر مستقر يخفي الكثير من الأزمة. وربّما كان أبرز أسباب الأزمة واستمرارها هو غياب أي حوار بين الأفكار -أو، عناد الأفكار القديمة وتسلطها على أيّ فكر جديد. وعندما خلخلت انتفاضات العرب الترتيبات القائمة، وأتاحت "فلّة الحكم" للمكونات الاجتماعية فرصة للتعبير عن نفسها، شاهدنا صورة أوضح لتجليات الأزمة. ساد أولاً شيء أشبه بـ"حديث الطرشان،" حيث لا يسمع أحدٌ إلا صوته ولا يريد أن يرى إلا فكرته، بسبب الغربة الكثيفة عن تقاليد الحوار. وشاهدنا، ثانياً، علوّ الأصوات القديمة نفسها لأنها معتادة على الاستئثار بالمنابر والتمرُّن على الخطاب. ولاحظنا، ثالثاً، ارتباك الصوت الشعبي الذي حرمه إسكاته الطويل من التحكم بالنبرة والقدرة على عرض أطروحة. وأخيراً، وليس آخراً، رأينا مدى عزلة الصوت العلماني وتشتُته بسبب القمع الطويل ورسوخ واقع رفض الاقتراحات الجديدة ومفاوضتها.
إذا جاز تبسيط واختصار ما أثمر عنه هذا التشوُّش، فقد كانت الأفكار التي خرجت أعلى صوتاً، ثانية، هي: فكر النظام الحاكم العربي المستبد نفسه، والذي استطاع إدامة تسيّده باستخدام الوسائل القديمة نفسها، القمع أو شراء السكوت؛ وفكر المنظومة الدينية المعروف نفسه، الذي استفاد من حقيقة حضوره الدائم وغير المنقطع كسلطة مستقرة في العقل الاجتماعي، حتى لو كان في "المعارضة". وهكذا، لا يمكن اعتبار الفكر الديني فكراً "جديداً" بديلاً إلا بمقدار ما يطرح نفسه كأيديولوجيا براغماتية صالحة للحكم (الدين السياسي). وما تزال تجربة "الإسلاميين في الحكم" مسألة مفتوحة على التقييم والرؤى، ولو أنّه ليس من الصعب كثيراً على أبناء المنطقة المتنورين أن يكونوا أكثر دقّة في التوقّع.
الحقيقة الموضوعية التي تشترك فيها أنظمة الحكم الرعوية أو حكم "الرجل القوي" مع منظومة الفكر الديني، هي أنّها لا تحبذ فكرة التنافس مع أفكار جديدة، ولا تقبل مبدئياً بإفساح مجال لتواجد هذه الأفكار. ولذلك، كان هناك تحالفٌ كامن وحاضر دائماً بين هذين "الفكرين" في جهد إحباط "فكرة الانفتاح على الأفكار" نفسها، باعتبارها مقدمة للتشكيك في أحقّية وصواب ما لا يقبل المناقشة. ما تزال بعض الأنظمة الاستبدادية التي نجت من "الربيع" تستخدم منظري الفكر الديني لإصدار فتاوى ضد فكرة التغيير في بلدانها، أو للحكم بجواز الثورة وضرورة مساعدة التغيير في أماكن أخرى، في عرض للتناقض البنيوي في المنظومتين المتحالفتين.
كما يلاحظ مراقبون، ستكون المشكلة التي يواجهها الإسلاميون في الحكم، هي الاضطرار إلى التعامل مع المتطلبات العمليّة للحكم، بعيداً عن الجانب العقائدي. وبينما كانوا ينتقدون سلوكيات الأنظمة "العلمانية" الحاكمة وهم في المعارضة، مثل التعامل مع الغرب والاقتراض منه، والاستماع إليه، فإنهم مضطرون إلى كل ذلك الآن. لن يستطيع الحكام الجدد الحديث عن تحريم الربا في قروض البنك الدولي، والتضييق على عيش الناس ورفع الدعم عن أساسياتهم حسب اشتراطات صندوق النقد الدولي، وهم في حاجة إلى أموالهما كشرط للاستقرار في السلطة. لن يكون من الممكن إعالة الدول بالعمل الخيري والجمعيات. سيكون من الصعب إجبار السياح على ارتداء "مايوه" شرعي على الشواطئ. والأهم، سيكون من الصعب التفاهم مع ضيق الروح العربية بتضييق مساحتها، وتكريس كل أنواع القيود على العقل وإحاطته بالمحرّمات.
كان الباعث الأساسي على انتفاضات العرب، هو الطموح إلى التحرّر من تسلط أيّ منظومة أو أيديولوجيا لا ترغب بالمنافسة ولا تتيح المجال للاجتهادات والرؤى الجديدة. وكانت ندرة الأفكار وغياب الاقتراحات أسباباً في إدامة واقع الجمود والتخلف والحرمان من البدائل. وفي المقابل، لا يمكن توقّع حدوث تغيير إيجابي في الواقع الاقتصادي والعلمي والابتكاري والتقدمي للمواطنين العرب من دون الانفتاح على اختبار بدائل جديدة بلا عقد ولا شروط مسبقة.
الإشكاليّة التي تواجه العرب الآن، هي عدم وجود "البديل الثالث" الناضج الذي يتبنى الانفتاح ويمكن أن ينافس المنظومات الراسخة المتسلطة عليه. وإذا كانت نفس هذه المنظومات القديمة للتفاوض ستتبادل القبض على السلطة، فيغلب أن تستمر مشكلة العوز للأفكار الجديدة -والأزمة. هذه الحلقة الشرسة هي التي ينبغي اجتراح الطرق لكسرها -كمقدمة!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد علاء الدين أبو زينة