أثار موضوع المؤسسات الفكرية -أو مهما يكن الاسم- حديثاً مع صديق. كان يتحدث عن اهتمام عالمي بموضوع "رأس المال الاجتماعي"، ولاحظ أن الأدبيات العربية تكاد تخلو من هذا العنوان. وفوق ذلك، لا أحد يبدو معنيّاً حتى بترجمة شيء من الأدبيات الأجنبية حول الموضوع، ناهيك عن الاشتغال به وتشجيع البحث فيه. وكان ردّي السريع هو ذات التعقيب الذي يخطر لنا لدى الحديث عن أيّ مشروع فكري: أيّ جدوى؟ أين هم الساسة الذين سيهتمون لو ترجمنا لهم، أو أنتجنا لهم، أبحاثاً حول رأس المال الاجتماعي أو غيره؟ صحيح، ربما نشتغل في شيء من ذلك لأجل الرضى الذاتي والمعرفة. ولكن، من أين الرضى حينما لا تُستخدم معارفنا ونتاجاتنا في شيء عمليّ يخدم تقدّم مجتمعاتنا ويحسّن حياة مواطنينا؟ ولنكن واقعيين: كم هم منّا الذين يستطيعون تحمل مؤونة التفرّغ للبحث التطوعي؛ بلا تكليف من أحد، ولا وسيلة لجلب الخبز؟
من الواضح أن الكثير جدّاً من أحلام الباحثين والمفكرين الطامحين إلى إفادة أوطانهم في بلداننا تتكسّر على صخرة الازدراء العجيب لجدوى الفكر. وعلى سبيل المثال، عندما بحثت في تاريخ "المؤسسة الفكرية" (Think Tank)، وجدت في الموسوعة توثيقاً لحوالي 4455 من هذه المؤسسات في معظم بلدان ومناطق العالم -إلا العالم العربي طبعاً. ولا مؤسسة فكرية واحدة مسجلة، أم أنّ معدّي مادة التعريف يحسدون العرب على مؤسساتهم، فتعمدوا إهمال ذكرها نكاية؟!
تعرِّف المعاجم "المؤسسة الفكرية" بأنها "مجموعة أو مؤسسة تُنشأ لإجراء البحوث المكثفة وحل المشكلات، خاصة في حقول التقنية، والاستراتيجيا الاجتماعية أو السياسية، أو التسليح". أو هي "مؤسسة يُجري فيها العلماء بحوثاً في السياسة العامة، وتمولها الهبات والمنح، وتعمل على تحسين الوعي العام بقضايا السياسة (من خلال المنشورات)، والتأثير على الحكومات للعمل على القضايا ذات الأهمية الوطنية". أو هي "مكان تجتمع فيه العقول العظيمة لمحاولة التفكير في حلول للمشكلات أو وضع تصورات للمستقبل".
وفق هذه التعريفات، وحسب معرفتنا بنماذج من نتاجات هذه المؤسسات، فإنّه يمكن القول -بلا مبالغة- إنها ليست أقلّ من ضرورة حاسمة لتزويد صانعي السياسات ومتخذي القرارات بالمادة المنطقية المسوّغة التي تيسّر لهم مهماتهم. وإذا لاحظنا مقدار الاهتمام والتركيز والرعاية التي توليها الدول الواعية لهذه المؤسسات، فإننّا سنتأكد فقط مما نعرفه عن معضلتنا الأساسية: إنّ أصحاب القرار في العالَم العربيّ لا يعتقدون بأنّهم في حاجة إلى علماء ولا مفكرين ولا باحثين ليمحضوهم المشورة –إذ، مَن هو الذي يفهم أكثر من الزعيم، أو المسؤول، حتى يستفتيه ويطلب رأيه؟ ومَن قال إنّ المسؤول العربيّ لا يعرف كل شيء، وإنّه وحده القادر على حلّ المشكلات ووضع التصورات، وإنّه ليس العقل العظيم الوحيد الأوحد في بلده -وربّما في العالم؟!
أعتقد أنّ هذا الواقع الذي نعرفه عن بلداننا وأنظمتنا يؤشر على قتامة الوجهات. ولطالَما سمعنا طوال أعمارنا عن أشخاص ذهبوا وتخصّصوا في أرقى العلوم في جامعات الغرب، وجاؤوا ولم يجدوا الفرصة، فقفلوا عائدين إلى حيث يحترمون عقولهم، وقدموا خبرتهم للآخرين. والآن، عندما يتحدّثون عن إصلاح وتغيير وتقدُّم، فإنّ أولى العقبات الحاضرة هي أنّ أحداً لم يفوَّض قبلاً بحكّ دماغه واقتراح مسارب للخروج من الأزمات وإصلاح المجتمعات. ومثل العادة التي ليتها لم تكن كذلك، يجتهد نفس الناس الذين أوصلونا إلى هذه المنزلقات لإخراجنا مما نحنُ فيه باقتراحاتهم العبقرية. ودائماً، سوف يظل الفكر والبحث سلعاً فائضة لا يحتاجها أحد، إنْ لم تكن خطيرة وعدوانية، تسبب وجع الرأس وتخطئ أصحاب العصمة.
لا أتصوّر أن المفكر والباحث والعالم يسعون إلى منافسة السياسيّ. وبين هؤلاء الكثيرون ممّن يحققون ذواتهم ومتعتهم في التمارين العقلية والتفكيك والتركيب والاكتشاف. لكنّ أسوأ عقاب يمكن أن يوقع بمن يشتغلون بسلعة العقل، هو الاستهانة بإمكاناتهم وبأهميّة ما هم قادرون عليه. والأهم، أن الكلّ بلا استثناء يخسرون ما يمكن أن تنجزه المؤسسات الفكرية من أفكار واقتراحات وحلول في منطقة محيرة مليئة بالمشكلات. لكنّ الفكر مهنة الراغب في أن يكون عاطلاً عن العمل، في مكان حيث لا حاجة للفكر!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد علاء الدين أبو زينة