يغلبنا الفضول البشري أحياناً، فيصطادنا فخ الفظاعات التي توثقها أفلام الفيديو العربية الكثيرة الآن على "يوتيوب". هل قلت "بشري"؟! ثمّة الكثير من الشكّ الذي يُمازج الآن مدلولات هذه اللفظة، حتّى لم يعد الانتماء إلى هذا الجنس مدعاة للاستئناس. إنّنا نتقاسم هذا التصنيف البيولوجي المتعسّف مع بعضٍ من آلات القتل والتسلط الوحشي على بني جنسها، وكثيراً لمجرد اختلاف الرؤى والاعتقاد الدوغمائي الواهم بأحقيّة الذات. وبينما كنّا نستنكر –نحن "المتحضرين"- بشاعة التطهير العرقي في أفريقيا، أو فظاعات الإمبريالية، أصبحنا -نحن العرب أصحاب الحضارة الإسلاميّة- أهمّ منتج حصريّ لأفلام الرعب الحيّة التي تعجز عن تصورها أوسع مخيلات السينمائيين. ومتى يحدث ذلك؟ في تتويج ثورتنا انتصاراً لإنسانيتنا المصادرة وحريّتنا المعتقلة! شيء مخجل يندى له الجبين.
قاومت الفضول. لم أشاهد فيلم "الثوري" الذي أكل قلب العدو؛ ولا "القائد" الذي أطلق الرصاص على رؤوس 11 أسيراً بعد إعلان حكم مرتجل؛ ولا الجيش "الوطني" الذي يدفن الناس أحياء؛ ولا إعدام الطفل السوري ذي الأربعة عشر ربيعاً برصاصتين في الوجه. لكنّي شاهدت أناساً يلقون بآخرين من سطح أحد المباني؛ واثنين يجزان عنق أسير بسكين صغيرة؛ وإعدام عائلة كاملة بالكلاشينات في الشارع؛ وأخيراً، فيلم قتل المصريين الأربعة ضرباً وسحلهم. يا لسوأة ذلك! أناساً تراهم أحياء يذودون عن رؤوسهم بأيديهم، ثم تنز بقع الدم وتتكاثر على ملابسهم وأطرافهم، ثم تنسحب الحياة من أطرافهم حتى يهمدوا إلى الأبد. وإذا أسقطت الخلفيات –أو أبقيتها- فالأمر سيّان: منتهى الوحشية!
أيّاً تكن المبررات، فإنّ قتل شخص أعزل في المتناول بهذه الوحشيّة لا ينتمي حتماً إلى منطقة الأخلاق والشرف الإنساني. وإذا كان الذي يفعل ذلك ليس فرداً غادرته نوازع البشرية، وإنّما حشد غوغاء؛ قرية كاملة بنسائها وأطفالها وشيبها وشبابها، متواطئون جميعاً على نية القتل، فعلى الدنيا السلام. وإذا كانت هذه الأعمال البشعة تُرتكب بدعوى الإسلام الأصلي، في حقّ مسلمين، أو حتى غير مسلمين، فذلك يقول لأصحاب العقائد الأخرى في العالم ما يمكن أن ينتظرهم إذا حكمهم المسلمون الجدد. وإذا كان البعض يتذرّع الآن بالاختلاف الفرعيّ في المذهب بين سنّي وشيعي، فكم من حوادث القتل الهمجي يرتكبها سنّة ضد سنّة، وشيعة ضد شيعة. وبعد قليل، ربّما يقتل الحنفي المالكي، والشافعيّ الحنبلي، بادعاء الكلّ الأحقيّة والعصمة!
للأسف، ليست هذه الصورة مختلقة ولا مبالغاً فيها. وما أصف سوى غيضٍ من فيض. وللأسف أيضاً، يتمّ إقحام الدّين دائماً في العنوان والخاتمة لتسويغ الدوافع، باعتبار أنّ الفاعل ينفذ مشيئة الله التي أوكلها إليه واستأمنه عليها وحده. وما كان الله ليأمر بتقديم القتل، ناهيك عن التمثيل بالضحايا والتلذُّذ المازوشي بسحب الروح من الأطراف. لا يمكن أن يريد الخالق من أحد نصرته بتجسيد الهمجيّة البشعة بدعوى التماهي معه. ولو فعل الصحابة الأوائل شيئاً من ذلك، لانفضّ عنهم الناس وقتلوهم وهم قلة، وانوأد كل شيء في مهده!
من الطبيعي أن يجد السنّي نفسه كذلك لأنّه ولد ابناً لسنيّين. وكذلك الشيعي، أو البوذي والوثني. ولو تذكر الناس أنّ الذي يربطهم بما وجدوا أنفسهم عليه هو نفس الذي يربط الآخرين بعقائدهم، لاعترفوا بأنّ الآخرين ليسوا مذنبين بعقائدهم التي لم يختاروها أيضاً. لا يجوز لأحد أن يزعم بأن معتقده يعطيه الحقّ في قتل الآخرين لأنّهم ضالون عن "الحقّ" الذي يعرفه وحده. ولو ترتّب الكون اليوم على ذلك، لكانت فرصة المسلمين جميعاً في العيش قليلة أمام أصحاب العقائد الأخرى الأكثر عدداً –وحتى الأقل عدداً والأفضل عُدّة. فأي مجال يتركه لنا الآن أبطال الفيديوهات لنحاور بقية العالم؟ هل يكفي القول إنّهم ليسوا منّا، وهم منّا، ويعرضون أنفسهم باعتبارهم الصورة النقيّة الحقيقية للعربي والمسلم؟
الذي يحدث مرعب، ولا يقل عن انتحار حضاريّ جماعي. إنّه تحييد مفزع للقانون وتسليم للأرواح للأهواء الفردية. كم سيسهل أن يتهم أيّ واحد منّا زميله بالكفر، ويدينه وينفذ فيه الحكم إذا امتلك الوسائل. وإذا احتاج فتوى، فثمة فُتاة السلاطين الذين يرخّصون القتل الطائفي الآن بأسرع من ارتداد الطرف. قريباً سيكتبون مذهبنا الفرعي على بطاقة الهوية، ليكون شهادة الحياة، أو الوفاة!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد علاء الدين أبو زينة