في التعريف القاموسي لليسار السياسي أنه "نظرة أو موقف مخصوص يقبل، أو يدعم، المساواة الاجتماعية، غالباً في معارضة الهرم الاجتماعي واللامساواة الاجتماعية. وعادة ما يُعنى بالذين يعتبرون محرومين من الامتيازات نسبة إلى آخرين في المجتمع، ويفترض وجود أوجه من اللامساواة غير المبررة التي يجب اختزالها إو إلغاؤها".
وبالمقابل، فإن اليمين هو "نظرة أو موقف مخصوص يقبل أو يدعم الهرم الاجتماعي أو اللامساواة الاجتماعية. وينظر المحسوبون على اليمين إلى السُلَّم الاجتماعي وعدم المساواة الاجتماعية باعتبارها إما مظاهر حتمية، طبيعية، عادية، أو أنها مرغوبة، سواء نجمت عن فروقات اجتماعية تقليدية، أو عن المنافسة في اقتصادات السوق. وعادة ما يقبل اليمين، أو يبرر هذا الموقف على أساس القانون الطبيعي أو التقاليد".
وهكذا، إذا كان ما نسميه "الربيع العربي" قد وضع عنوان "التغيير" في المقدمة، وفي اتجاه "الحريّة، المساواة، والعدالة الاجتماعية". فإنه بدأ –بالتعريف- كحركة يسار. ولكن، أين يمكن العثور على يسار يمكن تمييزه في القوى التي تلعب بالربيع العربي؟ وكيف يحدث أن الشعارات الثورية اليسارية تعيد إنتاج اليمين في كل مكان؟ ما هي حقيقة القوى التي تزعم حمل المقولات اليسارية لدينا، وهل يجوز تبني شعارات غير واقعية؟
بشيء من التبسيط، كان أوضح تعبير عن اليسار السياسي العربي مرتبطاً بشكل أساسي بالأحزاب الماركسية والاشتراكية. وعلى الأغلب، لم يكن كل اليساريين بهذا المعنى يستوعبون النظرية ومدى واقعيتها هنا. وأيضاً، كان الذين تبنوا الخطاب الماركسي غالباً من نخب الطبقة الوسطى العربية الذين تسنّى لهم قسط من الاطلاع. لكنّ هذه النخب لم تتمكن من ابتكار خطابها الخاص، فكانت تتحدث، مثلاً، عن "العُمّال والفلاحين" في تقليد للخطاب السوفياتي، في حين لم تكن هناك بنية عربية صناعية/ زراعية يمكن تمييزها. وإذا كانت موجودة، فكان الذين يتحدثون باسمها وعن مصالحها منفصلين عنها أصلاً. وفي التحصيل الأخير، كان واقع "النضال" يتعلق بتحسين امتيازات الطبقة الوسطى، بما يعني أخيراً الحفاظ على الهرم الاجتماعي أولاً، ثم محاولة الابتعاد ما أمكن عن "الطبقة الدنيا" والانتقال إلى أعلى الهرم. وهكذا، كانت "انتهازية" البرجوازية الصغيرة سائدة، بوعي أو بما دونه. وفي الحقيقة، تسرّب اليسار الماركسي العربي بعد انهيار المنظومة السوفياتية. والأغلب أن الكثيرين كانوا ينظرون إلى "الكتلة الشرقية" فقط لأنّها نقيض الغرب الإمبريالي المكروه في المنطقة.
بشكل ما، تعمل نسخة مشوهة من هذا "اليسار" الآن في التنظير للتغيير العربي، لكنها تشكل "يساراً" فضفاضاً بالكاد يتصل باليسار. هناك نصف ليبراليين، يحاولون تقمص ليبرالية الغرب التي تنتج اللامساواة هي نفسها. هناك نصف "قوميين" يُصنّفون في اليسار، مع أن القومية فكرة يمينية أساساً. وهناك "مثقفون" يعتقدون بأنّ ثقافتهم تستحقّ مكافآت وأمكنة أعلى في المجتمع، ويحتجون بسبب ذلك. وهناك الشكل الأخير من "اليسار" المتمثل في ما سُمّي "شباب الفيسبوك والتويتر"، وهم في الغالب جسم غير أيديولوجي فضفاض ينطلق من افتقاد الحاجات القريبة. ومع هذه التركيبة، انضوت القوى الدينية وبعض المنشقين عن الأنظمة المستهدفة، وهؤلاء يمينيون أصلاً، تحت مظلة المعارضة الكبيرة التي يفترض أنها اليسار العربي.
في هذه التركيبة المعقدة التي يصعب تفصيلها في عجالة، ربّما يكون اليسار العربي الوحيد هو الجماهير العادية، التي لها مصلحة ورغبة حقيقية في حمل مقولات اليسار، بالتعريف القاموسي. وهي كذلك على الجانب الاقتصادي، لكنها تتناقض مع اليسار غالباً على الجانب الفلسفي والأخلاقي. كما أنها منقادة، موضوعياً، لاتجاهات "القيادات" النخبوية الأفصح والأكثر مكراً وقدرة على مفاوضة الخصوم. والنتيجة، ما نراه من العجب العجاب، في البدء والمنتصف والخواتيم.
على الأغلب، ستكون للعرب فرصة إذا تواضعوا في الشعارات وبحثوا عن المشترك والعملي. وحسب معايير اليوم للتقدم الفردي والجماعي، فإنّ كلّ شيء يتعلق بالتكتلات الاقتصادية التي لا تنفصل عن متعلقاتها السياسية والاجتماعية والعسكرية. مرة أخرى، قد يلزم وضع تعريفات القومية واليسارية والدينية على الرفّ، والحديث عن مصلحة الجميع في التكامل الاقتصادي –العربي أو الإقليمي، لا تهم التسمية. سوف يتكفل شيء شبيه بالاتحاد الأوروبي، إذا حدث، بتقليل مَواطن الشكوى، والعثور على حصة للعرب في النفوذ والكسب من الكعكة العالمية.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد علاء الدين أبو زينة