كلما جاء العيد، طافت بي تلك العبارة الحكيمة التي حفظتها من والدتي البسيطة: "كل يوم على السعيد عيد". وفي الحقيقة، بات يصعب أن يلمح الناس في العيد شيئاً مختلفاً عن الرتابة المعتادة غير "العطلة"، وغالباً عطلة مشغولة بالعمل الاجتماعي المكلف –زيارات إجبارية، اجتماعيات ومجاملات مفتعلة، وعيديات ومصاريف وما شابه. وعندما نتبادل في هذه الأوقات عبارتنا المحفوظة "عيد سعيد"، فإننا نقولها لأحبابنا من باب التمني الآمل باختبار شيء أصبح شحيحاً –السعادة. وكأننا نعلم أن استيلاد هذا الشعور المراوغ من خلاصات حياتنا الصعبة يندرج في باب الأمل المغلف بالشك. ولو كانت القاعدة غير ذلك، لكنا استعملنا على الأغلب عبارة أخرى خفّ استعمالها: "أتمنى لك مزيداً من السعادة"، باعتبار أن أساس السعادة حاضر ليضيف إليه العيد المزيد.
"أيام السعيد" صاحب الأيام التي أكثرها عيد، يبدو عنواناً روائياً في أحسن الأحوال. ولو أراد كاتب عربي، في هذا الواقع العربي، رسم شخصية قصصية يطابق اسمها مضمونها "السعيد"، لاحتاج إلى أكثر من الخيال ليقنعنا بواقعية شخصيته. وإذا تعقّب التفاصيل السعيدة في حياة هذا "السعيد" العربي، فإنّه سيغلَب في توليف أيام سعيدة بأكثر من عدد أصابع اليد على طول حياة –إلا من رحم ربي من أرباب السعادة الذين لا نعرفهم نحن الناس العاديون. وفي الحقيقة، حاول الروائي البارع إميل حبيبي شيئاً مما ذُكر، فكان عنوان روايته الموحي: "الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل". وكما تبيّن، لم يستطع حبيبي أن يمنح عنوان حكايته ولا مضمونها شيئاً من السعادة غير الاسم غير الدال على صاحبه "سعيد"، مقروناً بكل وقائع: الغرابة، والاختفاء، والنحس، والتشاؤل!
حسب القاعدة، تقتضي الكياسة عدم تنغيص العيد بالتأملات السوداوية. لكنّ الاكتفاء بالتعبيرات المتفائلة التي سيجهد المرء في ابتكارها، سيكون ضرباً من الكتمان في أحسن الأحوال، والنفاق والازدواجية في أسوئها. سوف يكون المتحدث عن السعادة بقناعة وإخلاص، في عيد أو غيره، منفصلاً جداً عن الواقع. ولو تكلّف المرء –ولا بدّ أن يتكلف- عناء النظر في محيطه القريب والبعيد، لوجد أن اجتراح أسباب للعيد من هذا الاضطراب المفزع هو ما تعوزه الكياسة. ثمّة المعارك الحقيقة التي لا يقف فيها الرصاص على بوابة العيد، ويواصل بعناد رحلته إلى أجساد الضحايا. وثمة الترقُّب الحذر العاطل من اليقين، في مصر، وتونس، والعراق، وفلسطين، وكل حيّ من أحياء هذه المنطقة المتعبة. وهنا في بلدنا، حيث نعيش على وقع الاعتصامات والغضب والعنف والتوتر، كانت أكبر مأثرة للعيد هي تأجيل رفع أسعار الكهرباء بضعة أيام فقط، حتى لا تتسمّم أبدان الناس في هذه الأيام المباركة، ويتأجل الضيق قليلاً –وكأنّه ليس لدينا ما يُقلق إلا هذا!
هل نطلب الكثير؟ لا منطق حتى في مجرد تأمل فكرة "السعيد" الذي كل أيّامه عيد. لكنّ من المعقول أيضاً أن يُجري المرء جردة حساب شهريّة مثلاً، فيجد أنّه عاش عشرة أيام سعيدة من أصل الثلاثين. ولا أحد يخلو حتماً من الهمّ، لكنّ أنواع الهمّ تختلف. إن همّ الذي ضايقه مديره في العمل، أو اختلت علاقته بنصفه الثاني، ليس مثل همّ السوريّ المشرد المهددة حياته نفسها، وليس مثل همّ المصريّ الذي يخشى أن يُنشب عود كبريت يلقيه عابر غير عابئ مخالب النار في هشيم الفوضى في بلده، ولا هو همّ الفلسطيني الذي لا يعرف هل هو فوق أم تحت، ولا الأردنيّ الذي يرى الأشياء تتحرك من حوله في دائرة لا تشي بانفراج قريب.. وهكذا.
حتى لو فكرنا بالطريقة الوجودية الداعية إلى الحياة، على طريقة عمر الخيام (بترجمة أحمد رامي): "لا توحش النفس، بخوف الظنون.. واغنم من الحاضر أمنَ اليقين"، أين هو ترف "أمن اليقين" الذي يعرضه هذا الحاضر حتى نستنجد به من خوف الظنون؟ حسبنا الله ونعم الوكيل! لكنّ الإنسان، مع ذلك، لا يستطيع أن يتكلّف استبعاد ميزة الأمل أياً كانت المثبطات. وتبقى الأمنيات بأن تقلّ مشقّة المسعى إلى الاقتراب من مثال ذلك "السعيد" الذي يكون عيده الرسمي مجرد تنويع وتلوين على أعياده العادية اليومية. كل عام وأنتم بخير!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد علاء الدين أبو زينة