قرأت عن صحفي بوسني قوله: "الصحفي الذي يختبئ وراء الأقلام أو الميكروفونات لاقتراح الحروب، هو في الحقيقة أكثر شراً من الناس الذين يقتلون بعضهم بعضاً". وقد وجدت في هذه العبارات أصدق وأقرب ما يمكن أن يوصف به الكثير من الإعلام العربي الآن. وما على المتابع العربي سوى تقليب قنوات التلفزة المحلية المتحاربة في مصر الآن، أو في سورية، وتونس، وقبلها ليبيا، أو حتى القنوات عالية المشاهدة التي مكنتها إمكاناتها من تخطي حدود المحلية، ولن يجد هناك حتى شاهدة قبر تدل على مكان جثة المهنية المغدورة، أو الموضوعية، أو الرأي والرأي الآخر. وسوف تعثر فقط على مونولوجات مفردة الصوت تنعب بالخراب، وتبث التحريض صرفاً، مقنعاً حيناً في شكل تغطية غير بريئة، وسافراً أحياناً في شكل تنظير منهجي للفتنة والقتل على ألسنة "خبراء" و"مفتين"."
وأول الضحايا هي الحقيقة. شاهد قناة تابعة للثورة السورية مثلاً، وستدعو على النظام هناك بالحريق. ثم شاهد قناة تابعة للحكومة، وستحقد على فكرة الثورة والذي ابتكرها. شاهد قناة مصرية ليبرالية، وستهلل للجيش والمحتجين الذين يريدون تحرير مصر من استفراد جهة بالسلطة. ثم حول إلى قناة تابعة للإخوان، وستبكي عليهم وتشفق على غيرتهم على البلد. واهرب إلى قناة كبيرة دولية يفترض أنها مستقلة وليس لها صاحب سوى الحقيقة، فتكون كالهارب من الرمضاء إلى النار. هذه تقصف النظام الفلاني، وتمجد العلتاني. وتلك تكفّر هؤلاء وتقدس هؤلاء. واذهب إلى الإعلام المقروء، لتجد الكثير منه مقروراً مصاباً بالحُمى. وما أسهل أن تصنف: هذه الصحيفة بوق لهؤلاء، وتلك منبر لأولئك. وبالضرورة، سترى وجهاً واحداً من الصورة، وبالكاد ستلمح ظلال الوجه الآخر مسخّمة ومعمّاة حتى لا تتبينها!
صحيح أنه سيكون من منتهى الطوباية الحديث عن إعلام نزيه محايد كالأنبياء، لأن الإعلام في البداية والنهاية هو ناس، أشخاص لهم ميول ونوازع. ومع أن شرف مهنة الإعلام مشروط بتوخّي أقصى الممكن من تحييد الذاتي وتغليب الموضوعي، ما دامت مهمته هي نقل الخبر الصادق وإعلام الناس بالحقيقة بلا تزويق، فإن من الممكن تفهم تأثير المصالح والمنافسات. لكنّ الشيء غير المفهوم على الإطلاق، أن يتحول الإعلاميّون إلى محرضين على القتل، وقتلة مأجورين يغتالون الحقيقة بأداة ينبغي أن تحترف إحياء الحقيقة، والدعوة إلى أي شيء غير الخير والتنوير ومصلحة الحياة والإنسانية.
نطالع بعض المقالات، ونقرأ بعض المداخلات، فنعجب من المباشرة والصلافة في إطلاق الأحكام المطلقة وتصويب طرف وتخطيء آخر بروح العداء. ومع أنّ حريّة الرأي هي المطلب النهائيّ لكل مدّع بالوعي، فإنّ صاحب الرأي المحارب الذي يحمل مسدساً ويوجه الناس إلى حتفهم سيكون أشبه بالمجنون الطليق. والأجدر بالرأي العاقل إذا رأى جارين يتقاتلان، أن لا يؤجج النار بحطب الصراخ في أحدهما استنهاضاً للعدوانية والحيوانية فيه ضد مواطنه، حتى لو علم أن أحدهما أحقّ. ولا خير في صاحب قلم يعلن رأياً يعرف أنه قد يسهم في إراقة دم أو دفع أحد إلى حتفه. ففي النهاية، يعمل معظم الإعلاميين و"الرؤيويين" في مكاتب مكيفة، وليس الذي يعد العصيّ مثل الذي تسلخ العصي جلده.
رأينا تجييش بعض إعلام الغرب الحربي الإجرامي للحرب ضد المسلمين –مع أن لديهم إعلاما معارضا للحرب أيضاً- لكن ذلك كان تحريضاً ضد "آخر" رأى الساسة في تحييده مصلحة لبلدانهم. لكن إعلامنا العربي الفريد يجيّش ضد آخر، هو العرب والمسلمون أنفسهم، كمن يقطع أطرافه بيديه. وحسب وصف الصحفي البوسني الذي لم أعرف اسمه، نرى أقلاماً وأصواتاً تقسّم، وتهتف للمتشاجرين من فوق الأسطح والشرفات. ونشاهد محطّات تشتري "الخبراء" للإفتاء بالقتل، ولشيطنة الجميع سوى النظام الذي تخدمه وتعمل تحته. ونسمع خلف الميكروفونات إعلاميين يدهشنا تحمسهم لرائحة الدم والمعارك والحرائق، وعدم خجلهم من سفور الأجندات التي يخدمونها. أي علاقة للمهنية، وحرية الرأي، والانتصار لأي مبدأ إنساني إذا كانت حصيلة عمل الإعلامي والكاتب والمفكر هي استنهاض العواطف العدوانية، فالموت وحمامات الدم!
من المدهش كيف يكون المثقف، أو صاحب الحقيقة، مروجاً لأيّ شيء سوى عصمة الحياة البشرية، والوعي غير العصبوي، والحقيقة التي لا تقترح الحروب!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد علاء الدين أبو زينة