في الشهر الماضي، استقبل قادة الاحتلال في فلسطين مشروع كيري للتفاوض على التفاوض بإعلانين عن بناء آلاف الوحدات الاستيطانية في الأراضي الفلسطينية، (أين هي المستوطنات المبنية في أراضٍ غير فلسطينية؟!). وفي مصاحبة هذه الإعلانات، دلل "بيبي" نتنياهو على عدم رغبة الفلسطينيين في السلام بثلاثة أشياء: التعليم الفلسطيني، وأغنية محمد عساف التي تذكر مدناً فلسطينية محتلة، وقول محمود عباس إنه لن يكون هناك مستوطنون يهود في الدولة الفلسطينية. ويتطابق ذلك مع سلوك العدو النمطي، على طريقة الذي ضرب وبكى، وسبق فاشتكى. وهو استمرار لمبدأ الشكوى الاستراتيجي القائم على رواية "الهولوكوست"، وفكرة الضحيّة.
هكذا، لا يرضي السيد الناطق باسم الاحتلال أن يتعلّم الفلسطينيون تاريخهم الحقيقي. ولا يعجبه أن يعلن الفلسطيني حنينه إلى عكا وحيفا والناصرة وطبريا، حتى بالغناء، باعتبار ذلك عدواناً وكراهية للسلام. كما لا يجب أن يعد رئيس فلسطين الخيالية شعبه بقطعة صغيرة في وطنهم التاريخي، لا يشاركهم فيها مستوطنون ومحتلون. وحتى نقول الحقيقة، فإنّ معه حقّ –ولو انه مقلوب على رأسه. إذا كان قادة الفلسطينيين يتفاوضون على قاعدة اعتراف ضمني بيهوديّة المدن المذكورة في أغنية عسّاف وتطويبها للاحتلال، فإنّه لا يجوز الاستمرار في الحنين إليها. ويتبع ذلك أحقيّة تمزيق صفحات التاريخ التي تتحدّث عن كل ما قبل 1948، وعن 1948 وما تلاها حتى اليوم. أي أن تاريخ الفلسطيني يجب أن يبدأ مثل الزرع الشيطاني، من الآخر: لاجئ ليس له مكان. كما لا يحقّ للرئيس الفلسطيني أن يحدّد للأسياد الغزاة أين يقيمون ولا يقيمون في الأرض التي ربما يتنازلون عن جزء منها بألم للمساكين الفلسطينيين: شحاذ ويشترط؟!
كما هو واضح، ثمة الآن روايتان: واحدة ليست لها يدان وتحاول أن تتسلل متخفية بالأغاني؛ وأخرى تمتلك قنابل ذرية وتبث نفسها من الفضاء العالي. هناك الفلسطينيون، أصحاب حق لا تسنده قوة؛ والغزاة، أصحاب قوّة يسحبون بها الحق من قرنيه. ويعيدنا ذلك إلى السؤال الأول عن الحلّ، وسنجد دائماً نفس الجواب: إن الفلسطينيين بحاجة إلى القوّة لكي يكون لهم حقّ. وإذا كان لهم أمل في شيء، فهو أن يحظوا ذات يوم بقيادة عنيدة تعترف بهذا المنطق، وتبدع في استعادة الهيبة الفلسطينية.
حسب معظم المعلقين على "عملية السلام" فإنّه ليس هناك الآن ما يدعو الجمهور "الإسرائيلي" إلى شراء السلام بمنح شيء للفلسطينيين، ببساطة لأنك لا تشتري شيئاً تملكه بوفرة. وكان السلوك الفلسطيني في العقود الأخيرة سخياً جداً بمنح المستعمرين في فلسطين هذا الأمن والسعة، والانفراد بتعريف "الحق" وبناء كل "الحقائق على الأرض". فلماذا لا يفرضون الشروط، وهم ليسوا المتسوّلين!
الآن، يقال أن الفلسطينيين اتجاهان: واحد يفضل الدولتين، وآخر يفضل الدولة ثنائية القومية. والتصنيفان يستثنيان اللاجئين، ويسقطان القسم الثالث: الفلسطينيون الذين يفضلون فلسطين التاريخية التي يحكمها الفلسطينيون. ربّما يعني ذلك أن الفلسطينيين أصبحوا واقعيين، على المستوى البراغماتي، وغير إقصائيين، على المستوى الأخلاقي. لكنّ ذلك يُقابل من الجانب الآخر بالإقصاء الواقعي للفلسطينيين بانتهاج التطهير العرقي، وإيمان راسخ بإن اختفاء هذا الشعب جملة وتفصيلاً هو قمة الأخلاق، لأنه تنفيذ للمشيئة الإلهية. وهكذا، إذا كان العدوّ يخوض الصراع على أساس الإحلال، فإن الذي يطلب من الفلسطينيين خوضه على أساس المشاركة يضعهم في زاوية الحلبة.
يشكو نتنياهو الآن من غناء الفلسطينيين عن عكا وحيفا والناصرة، لأنّه تخلص سلفاً من مطالبتهم بهذه المدن في الخطاب السياسي الجدّي، فتفرّغ لإلغاء بقايا حنينهم العاطفي. وقد وصل إلى هنا لأنّه لم يعد هناك ما يزعجه ويوقفه على الطريق. وأتذكر برنامجاً عرض أطفال روضة "إسرائيليين" يغنون في الحافلة المدرسية كل صباح أغنية عن قتل العرب، ولا أظن أن القيادة الفلسطينية ستستخرجها من "الفيديوتيوب" وتعرضها لجون كيري، لأنها لم تبلغ ترف الاعتراض على الأغاني.
كان الراحل محمود درويش متفائلاً حين كتب: "ولنا ما ليس يرضيكم، لنا المستقبلُ... ولنا ما ليس فيكُم: وطنٌ يصلح للنسيان أو للذاكرة، أيها المارّون بين الكلمات العابرة". لكنّ هناك مَن يرضي الغزاة بإعفاء الوطن من صلاحية الذاكرة، فيهدم مستقبل الفلسطينيين، بمعول "فلسطيني".
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد علاء الدين أبو زينة