تسير في شوارع عمّان ليلاً، الفرعية منها والسريعة، فَتُجهدُ عينيك العتمة. وفوق الإنارة الرديئة أصلاً، يطفئون الآن قطاعات من مصابيح طرق العاصمة. فإذا سرت في شارع لا تحفظ منعطفاته وتضاريسه، ولم يكن لك بصر صقر، فإنك قد تقع في الحواشي أو تصطدم بالجزيرة الوسطية، وتنقلب -لا قدّر الله.
وهناك –مثلاً- حيٌّ سكني كبير بجوار "شارع الأردن" من جهة الجبيهة، يضطر الداخل إليه إلى الدوران من فتحة في الجزيرة الوسطية. والدوران هناك، أمام السيل غير المنقطع من السيارات المسرعة في عدة مسارب، مغامرة مليئة بالرعب، كما اختبرتُ بنفسي. إنك تقف وسط الجزيرة، وتستنفر مهاراتك في الحساب والفيزياء علّك تقدّر سرعات السيارات القادمة، ووقت وصولها المتوقع، وتوقيت انطلاقك أنت –خاصة في الظلام. وإذا انتظرت أن يفرغ الشارع، فستنتظر طويلاً. وفهمتُ أن سكان المنطقة اشتكوا، وطالبوا "الأمانة" بوضع إشارة ضوئية أو أيّ حل ينهي مسلسل الرعب اليومي، وقوبلوا بالرفض. لا إشارة، ولا نفقاً!
وهناك الشكوى الطويلة من تردي خدمات النظافة، ورداءة الطرق، وما يفعله المطر بحركة الناس في الشتاء جراء عدم كفاءة نظام التصريف، وليس هناك شارع مخطط المسارب تقريباً، وقِس على ذلك. وإذا سألتَ عن أسباب كل هذا وغيره، جاءك الجواب المعتذر الذي يستجدي عواطفك: ضعف الإمكانيات الماديّة، فاللوجستية.
ويفكّر المواطن: يُفترَض أنّني أدفع –أنا وغيري- كلفة هذه الخدمات التي ينبغي أن تكون على قدر الضرائب والرسوم الهائلة التي تُصادَر منّا كل الوقت، في أشكال ظاهرة وأخرى مقنّعة. ثم أنّ توفير ثمن الطاقة بإطفاء أنوار الشوارع لا يساوي جسامة الخسائر التي يُرتبها فقدان الناس أرواحهم وأموالهم نتيجة لضعف الرؤية. ينبغي أن لا تُقدّر الأرواح بمال، إضافة إلى أن الحوادث تُحسب في الخسائر المادية والمعنويّة للدول. وكذلك التقتير في صيانة الطرق، والبخل بالجسور والأنفاق، وإهمال النظافة وهلهلة المدينة. إننا ندفع كثيراً، ونتلقى القليل، ولا بدّ أن الفرق بين الضرائب ونوع الخدمة يتسرّب إلى مكان أو أحدٍ ما على الطريق.
هذه أمثلة فقط عن حال عمّان-العاصمة. فما حال البلديات الأقل ظهوراً والأكثر فقراً؟ ثمّ ينشغل البلد بإقامة انتخابات بلديّة تُحسَب في ميزان الديمقراطية. ويُصاب البلد بالحرَج من قلّة ظهور الناس في مراكز الاقتراع. وفي التحليل، نقرأ عن إقدام وإحجام قوى سياسية، واعتراضات على التقسيمات المناطقية. ويبدو واضحاً أن عامل المصلحة القريبة والحقيقية من المشاركة في اختيار إدارات البلديات هو آخر المذكورين: نوعيّة الخدمة التي يُتوقّع أن تقدّمها البلديات للمواطن بالتحديد.
إذا كان المواطن سيشارك في انتخابات البلديات بهدف إنجاح فرد من العائلة والعشيرة، فقد يرقص في "العرس الديمقراطي" لأنّه يتوقع أن يخصّه قريبه بالخدمة. وإذا انتخب عضواً في جماعة سياسيّة، فربّما لأنّه يتصوّره أقل فساداً وأكثر رغبة في تقديم الخدمة أيضاً. أمّا إذا أحجم الناس عن الانتخاب بشكل عام، فسيكونون قد ملّوا وفقدوا الإحساس بالجدوى بالعشيرة والسياسة والبدائل: الخلّ شقيق الخردل! وإذا أفشل الانتخابات البلدية شأنٌ سياسيّ أولاً، يتعلّق بحصّة النفوذ والشدّ والجذب بين معارضة وسلطة، فليرحَم الله مسألة الخدمات في البلد. سوف تصبح البلديات نسخة برلمان يقصده المرشّح للتطوُّس، وسيكون آخر همّها ما وُجدت لأجله بالتحديد.
المشاركة في الانتخابات البلدية، وحتى البرلمانية، مشروطة وصفاً وحكماً بفكرة التشارك وتقاسم المكاسب.  وحين يكتشف المواطنون حتى الضجر أنّ هذه الممارسة لا تقدّم ولا تؤخر على مستوى الرضى الفردي، فإنّهم سيفضّون الشراكة الخاسرة. وقد تنجح السلطات -باستغلال عوامل الجذب المتاحة، وأغلبها عصبوي- في إقامة انتخابات مسلوقة كيفما اتفق. لكنّها ستكون طباقاً للخادع نفسه، المتحايل على إخفاء علله الداخلية المزمنة بالمظهر والأزياء. ذلك لَن ينفع في نهاية المطاف.
لو أحسّ المواطن حقّاً بأن مشاركته في الانتخابات البلدية ستجعل شوارعه وحارته حضارية ونظيفة، ومدينته أكثر نوراً وبهاء، وحياته أيسر، فإنّه سيسعَد بالمشاركة وإنجاح الصالحين. لكنّ الشعور بأنّ بينه وبين البلدية وقاطنيها أسواراً وموانع، بأنّها ليست بيته وبأنّه يرتادها مَجروراً فقط ليدفع المخالفات ورسوم التراخيص والالتزامات، ذلك سيجعل العلاقة تنافسية -وربما عدائية. لن تكون له مصلحة في ادعاء شراكة خاسرة.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   علاء الدين أبو زينة