الثورة، بالمفهوم السياسي، تُعنى بالتحول عن وضع قائم، وتغييره إلى حال أفضل -وأحياناً أسوأ- بدافع من عدم الرضا، أو الغضب. ومن حيث المبدأ، لا تقوم الثورات الشعبية التي تنفذها الجماهير في الأساس على فكرة فاسدة، لأنّ مطالبها تتعلّق بخدمة مصلحة الأغلبية. لكنّه كثيراً ما يتمّ إفساد مضامين الثورات بأيدي الذين يضطلعون بقيادتها، ويتولّون السلطة في حال نجاحها. وإذا راقبنا الثورات الحديثة في المنطقة العربية -بعد تلك التي سرّعت في رحيل الاستعمار- لوجدنا أنّها اتبعت كلها هذا المسار الثاني، واتخذ أبرزها شكل ضابط متنوّر في الجيش، يعتنق أفكاراً "تقدمية" ويقوم بانقلاب عسكري "تصحيحي" أو غيره، واعداً الشعب بـ"اليوتوبيا" الأرضية.
بعد قليل، تشرع القيادة التي قامت بالانقلاب بـ"تطهير" نفسها عن طريق اغتيال أفراد منها، أو نفيهم، أو وضعهم في السجن أو الإقامة الجبرية. وبعد قليلَين، يبرز شخص واحد كاريزمي، يُستحسن أن يكون بارعاً في الخطابة، ليتحدث باسم الباقين. وبعد ذلك، يختفي الباقون ويتبقّى هو في الصورة، والصوت. وبطبيعة الحال، يتفاعل ويتفاوض ويزور زملاءه القادة ويُزار، ويحتك بالقوى الكبرى والصغرى، فيبدأ بتكوين طباع جديدة تفرضها عليها "الطبقة" التي انضم إليها. وحتماً، لا مكان لشخص شعبي العاطفة واللغة في قاعة النبلاء، فيتنبّل. وكشأن طبيعي، يرتقي بمستوى عيشه هو وعائلته حتى يليق، فيحتل أفدنة وهكتارات في أحلى الأماكن ويجعلها قصوراً، ويبني حولها الأسوار العالية حتى لا يسمع أحداً ولا يسمعه أحد. ويقيم أول انتخابات رئاسية، فيكسبها بنسبة 99 %، والثانية بنفس النسبة، فيفكر: كيف يمكن أن أتنحّى وقد فهمت لعبة الحكم، وأصبحت لديّ مشاريعي لشعبي التي لا يفهمها أحد أفضل منّي؟ والله وتالله لو تنازلت، لخربت البلد ولأكل الناس الهواء! وهكذا.
تقريباً، كل الثوريين الشعبيين فعلوا ذلك. أفكر بفيدل كاسترو، مثالنا الأعلى القديم، وبكيف ظل في السلطة حتى تعب وأورثها لأخيه؛ بهوغو تشافيز، وكيف جدّد لنفسه في البرلمان فترات الولاية إلى ما شاء الله؛ وبالمرحوم عبدالناصر الذي "أعاده الشعب إلى الرئاسة"؛ بخليفتيه السادات ومبارك؛ بالراحل القذافي الاشتراكي الثوري الديمقراطي؛ بالراحل صدام حسين البعثي القومي، وبحافظ الأسد وبشار الأسد وزين العابدين بن علي وبوتفليقة.. وكل من يخطر ببالك ومن لا يخطر. ولا استثناء، الحمد لله! إلا إذا فكرنا في تشي غيفارا الذي رفض منصباً ورحل ليتابع النضال مع الكادحين في بوليفيا –ولم يكن رئيس دولة بالمناسبة.
عندما نفكر في هذا يصيبنا الإحباط، ونتذكر "المخاتير" في مسرحية دريد لحام، الذين يأتي كل واحد منهم مع وعد استعادة الكَرْم المسروق، فيصبح طباقاً لقصة شهاب الدين مع أخيه. ويشك واحدنا بأنّه لو وصل قدّيس حقيقي إلى سدة السلطة، لأصابته لوثة السلطة وفصلته عن نفسه القديمة، كما تنسلخ الأفعى من جلدها. ولو جلس هناك ردحاً وذاق العز –والمرارة- لما استطاع أحد إخراجه بطبل بلدي –ولا حتى بمقلاع. فماذا نفعل؟ وكيف نرى ضوءاً في نفق "الربيع العربي" الذي اجترح معجزة إفراغ كراسٍ، فقط لتشغلها أو تطمح إلى شغلها نسخ من نفس الشيء، من جهات ثورية بالأمس ودكتاتورية اليوم؟ ما السبيل ونحن نرى أن أذكى سبيل لتحييد المعارضة "العقائدية" هو ضمها إلى مؤسسة السلطة، لتتحدث في اليوم التالي بنفس صوت السلطة، لا راح ولا جاء؟!
منذ درّسونا في التوجيهي الأردني القديم –في طفرة إشراق علمي، ولو لسبب غير بريء- رواية جورج أورويل "مزرعة الحيوانات"، لم تذهب شخصيات هذه الحكاية من بالي. وعندما يحكون الآن عن فساد الثورة -كفكرة- فإنّ فساد القادة هو الذي لا بدّ أن يكون مسؤولاً عن فسادها، وليس لعيب بنيويّ فيها نفسها. وهكذا، حذّر البعض في "الربيع العربي" بالتحديد من مسألة القيادة: مَن الذي يقود جموع الشعوب البسيطة الخارجة إلى الشوارع مخاطِرة بأمنها؟ أين هي البدائل عن "الفلول"، أو "الجيش"، أو "الجهات العصبويّة المجهزة سلفاً"؛ وكلها لا تنتمي قطعاً إلى ما يخصّ الشعب؟
"الخنازير" التي قادت الثورة ضد ظلم الإنسان، وصادرت نضال الحيوانات، في رواية أورويل، انتهى بها المطاف وهي تنام في الأسرة وتدخن الغليون وتلبس الملابس وتمشي على اثنتين: نفس الشيء، وإنما بمخالب وأنياب إضافية.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد علاء الدين أبو زينة