تفاجأت عندما عدتُ من إجازة قصيرة، لأجد الشارع الذي أسلكه إلى العمل مكسوّاً بطبقة إسفلتية جديدة -نصفُه في الحقيقة- ومُخطّطَ المسارب بطلاء أبيض طازجاً. وأحسَستُ بالراحة في القيادة بين الخطّين وبعض الأمن داخل الحيّز الواضح من عدوان المركبات الأخرى. لكنّ شعوراً آخر نهض في داخلي، عندما تذكرتُ أنني كنتُ قد كتبتُ في هذا المكان شيئاً عن خطوط الشوارع. وللحظة خاطفة قلتُ لنفسي: ها هُم يستمعون إلينا نحن كُتّاب الصحف، وينتبهون إلى ما نحاول لفت الانتباه إليه!
بطبيعة الحال، لَم يدُم هذا الشعور النرجسي أكثر من خطفة فكر، لأنّ الشعور الغلاب عند معظم الذين يكتبون في بلادنا، حسب قراءتي، هو: "لقد أسمعتَ لو ناديتَ حيّاً، ولكنْ لا حياةَ لمَن تنادي". وليس الأمر أنّ الكاتبَ يدعي لنفسه مطلق الصواب في الرأي، لكن قسمته من العَمل تتيح له أن يكتب شيئاً يُقرأ على الملأ بشكل ما. وفي كثير من الأحيان، لا تكون للأمر صلة بصناعة السياسات والرأي، كما يحدث في أماكن أخرى، وإنما الاستفادة من المساحة لنقل ملاحظات عامة، ومواطن شكوى تهمّ قطاعات لا بأس بها من الناس، علها تصل المسؤولين، فيتصرّفون.
المشكلة أنّ المحيطين بالكاتب في صحيفة، ينغشّون أحياناً بـ"سلطته"، فيطلبون منه الكتابة عن حاجاتهم مع أمل كبير بأن تتحقق مطالبهم على يديه. وحتى لا يخيّب الأمل، يعدُ بأن يكتب، ويفعل إذا أسعفته اللغة. لكنّه يفعل وهو يعالج في نفسه سؤال العبث والجدوى، مثلما يفعل معظمنا عندما يتأملون محاولة شيء، أيّ شيء.
في حقيقة الأمر، ليس الأمر على قدر البساطة والطرافة التي ابتدأت بهما، ولكنّه يتعلق أكثر بالعنوان الجوهري عن وظيفة الصحافة بالإجمال. فعندما يعمل الصحفيون على تعقب ظاهرة أو موطن خلل، يلزمهم أن يعتقدوا بالجدوى حتّى يكون لعملهم معنى ودافعية. وعندما نقرأ عن أدوار الصحافة في الدول الأكثر حريّة، نجدهم يهتمّون أكثر ما يكون بالتحقيق الاستقصائي الذي يكون هدفه كشف العيوب ومواطن الفساد والغشّ. وعندما يفعلون ذلك، بإيمان وأمل صادق بتصحيح الخلل، فإنّهم يُحدثون فرقاً ويؤثّرون حقاً في المسؤولين. وبكلمات أخرى، تتمتع الصحافة في تلك الأماكن بسمات السّلطة التي تخيف، وتؤثر، وتغيّر.
وأيضاً، يتابع مَن يتابع أداء الصحافة الأميركيّة في هذه الأوقات عن موضوع ضرب سورية، فيلاحظ الدور الذي تلعبه الصحافة وكُتاب الرأي والمحللون والمعقبون في تشكيل القرار السياسي الأخير حول هذا الموضوع. وقبل ذلك، رأينا كيف عملت هذه الواسطة بطريقة غير منفصلة عن صُنّاع القرار في تهيئة الناس هناك للحرب أو للسلم. ولا حاجة للمقارنة ولا أمل فيها حين يتعلق الأمر بالإعلام العربيّ، لأنّه يفتقر إلى الشيء الحيويّ والأساسيّ لجعل الحوار ذي معنى: الصوت المعارض.
هنا في بلادنا، لا يحبّ أحد أن يسمَع رأياً مختلفاً عمّا استقرّ على أنه الصواب. لا الأبُ يرغب سماع صوت الابن، ولا المسؤول يرتاح لسماع رأي مواطن -كاتباً كان أو هاتفاً في مظاهرة. ولذلك، يغلب الشعور حين نقرأ أو نكتب عن الأحداث أنّ المسألة لا تعدو كونها تنفيساً عن احتقان. ويعتقد المرء أن من الأفضل أن لا يتوجه بالخطاب إلى السلطات، وإنما أن يتوجه إلى الناس الذين هو منهم، فيناجيهم بفكرة أو يفيدهم بمعلومة.
المفروض أن تكون الصحافة معبراً باتجاهين: أن توصل فكرة السياسي إلى الناس، وأن تزوده بالتغذية الراجعة، برأي الناس. ولعل من أسوأ أخطاء الساسة أنهم يسيئون استغلال هذه الواسطة في تحسّس نبض الناس ومشاعرهم وحاجاتهم. وعندما يُمارس القمع، أو التوجيه الصارم، على عمل الصحافة، فإنّ الأمر يصبح كمن يصبّ الشمع في أذنيه، ويغني على ليلاه، ويكون هو في واد والناس في واد. وفي البداية، يبدو هذا مغرياً، لكنه في النهاية يفضي إلى ما أفضى إليه انفصال أصحاب القرار عن شعوبهم: "الربيع" أو ما نشاء من التسميات لوصف الصدام.
في النهاية، يشكك المرء في نفسه، معتقداً بها جنون عظمة إذا طالب للصحافة بقول وهو منها. وإذا اعتقد للحظة بأحقية في الاستماع إلى صوته، فإنه يمرّ غالباً بلحظة عابرة من مقاتلة طواحين الهواء، من الوهم الدونخيكوتي!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد علاء الدين أبو زينة