حالنا مع "الربيع" هنا مثل الذي غامر بمحاولة اختلاس لعقة عسل من قفير، فثار عليه عشُّ الدبابير حتى نال من اللسع واللطم حِمل بعير. هكذا تبدو حصيلة ما بدأ قبل سنتين محاولة لتوسل تحسين الأوضاع وتخفيف ضغط كلف المعيشة الهائل بالاحتجاج على السياسات المنهِكة للمواطن. فما الذي حصل؟!
الذي حصل غريب: في خضمّ "الربيع الأردني" وفيض الاحتجاجات والاعتصامات خلال السنتين "الثوريتين" وما بعدهما تم: رفع الدعم عن الوقود؛ رفع الدعم عن الكهرباء؛ ارتفاعات مجنونة في أسعار كل شيء نتيجة لرفع الدعم عن الوقود والكهرباء؛ تمرير قانون انتخابات غير ديمقراطي؛ تزايد حالات التوقيف، على خلفية المشاركة في الحراكات والاحتجاجات (السياسية). ارتفاع منسوب العنف المجتمعي والجريمة؛ والأهم: "المساس" بالمحذور الأخير، خبز المواطن؛ والآن، ارتفاع أسعار الملابس، والبقية تأتي؟!
الغريب أن البلد لم يشهد في أي "خريف" سابق كل هذه الكثافة والجرأة على الرفع بشقيه: رفع الدعم عن سلع العيش، ورفع الضرائب على المواطن، ما شهده في سنتي الربيع! وكأنّ الناس أثاروا فعلاً عشّ الزنابير على أنفسهم دون أن يعوا. وقد عرَض الأردنيون درجة مستحيلة من الانضباط والمسؤولية الوطنية وهم يبتلعون مرارة الرفع تلو الرفع، ويتورّمون من اللسعات بلا أي عسل، برباطة جأش الصابرين المحتسبين. وما المكافأة؟ ربما يقول للناس "مسؤول"، بنبرة المتفضل: "احمدوا الله على الأمن والاستقرار، في المال ولا في العيال. انظروا ما يحصل للآخرين". ولكن، من أينَ الاستقرار سوى بفضل صبر الصابرين؟ وماذا عن الأمن الاجتماعي والنفسي للمواطن؟
كأن الذي حصل كان كما يلي: الناس احتجوا، واختلط الحابل والنابل فلا ضرر أخيراً من رمي كل الأوراق وممارسة لعبة عض الأصابع. الآن، نقول للناس إنه لا فرصة لتحسين اقتصادهم وتحسين أوضاعهم إلا باتخاذ "القرارات الصعبة" التي جبُن السابقون عن اتخاذها: يعني شد الملزمة على أوضاع الناس وأصابعهم وبطونهم وألسنتهم كمقدمة –لا مؤشر على أنها لن تكون الخاتمة- حتى ينالوا "الخبر، والعدالة، والمساواة". الدولة ليست مجبورة بدعم الناس لتفلس وينبسطوا. لا سبل لدينا لتوفير عمل لأحد، فليجتهد كل في تشغيل نفسه وليدفع ما عليه للدولة. ليدرّس أولاده ويعالج عائلته ويشتري خبزه وغازه بالسعر العالمي لأنّه خلّف أولاداً، وهذه مسؤوليته. على الناس دلع كلفة المواطنة لدولة أثقلت نفسها بعبء الإنفاق على أناس مفلسين من جيبها وبالديون. وليحذر الناس أن يغويهم شيطان الغضب فيخرّبوا على أنفسهم ويدمروا وطنهم كما خرّب الذين من حولهم. يجوز، يمكن، ويُحتمل أن تؤدي "مكتسبات" الناس من الربيع (رفع الدعم والأسعار) إلى راحة بالهم في الأخير. ثم، ما يزال الإصلاح جارياً على قدم وساق وبنجاح رائع، ونحن على الطريق لأن نصبح الدولة النموذج في المنطقة بالتأكيد.
وفي السياق، كان كل رفع يُستبَق ببالون اختبار، بشيء من الإشاعات "والتسريبات"، حتى يُقاس نبض الشارع وتتهيأ نفسيته فيعود النبض أقرب إلى الانتظام، ويصبح ابتلاع القرار المرير شرطاً جبرياً للعلاج، مثل شرب الشربة. وبعد أن يتخدّر المرء من اللطمة الأولى، لا يعود ثمة ما يخيف في توجيه اللطمة الثانية. والذي يتلقى اللكمات يصبح بعد كل لكمة جديدة أضعف، لا تحمله ساقاه وترتخي ذراعاه. كما أن "الرفع" يقصد أخيراً سحب الدعم من القادرين وتوجيهه إلى مُستحقيه!
أينَ هم مستحقوه؟ نحنُ مواطنون عاديون، محسوبون على "الطبقة الوسطى" -وما عاد أحد "وسطى" ولا مَن يحزنون، وإنما الكل في الضيق شرقٌ باختلاف التفاصيل. لا يكادُ معظمنا يعرف أحداً لا يشكو من ضيق -إلا من رحم ربي. والأغلب الأعمّ حريصون على أن لا يؤتى الوطن من أي جانب. لكنّ السؤال الذي يحيّر الكثيرين منّا: مِن أين أدبّر نفسي فأدفع، ولماذا أعاقَب على مواطنتي بكل هذه الواجبات ويكون عليّ أن أسامح بمعظم الحقوق؟ ثمّ أشكو همّي فأكون كحال "براقش": يكتشفوني فينبشوني. وكنتُ أسعى بالأمور على عواهنها في سبيل تحصيل رزق أولادي بلا احتجاج، فلا يسمون خبزي –ربما خشية تحريض رعونة صاحب الحاجة. ثم أعلنت ضيقي فكوفئت بكل هذه "المكتسبات"! عجيبٌ وغريب هذا "الربيع"؟!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد علاء الدين أبو زينة