عند إشارة» الدوريات الخارجية» في»الجبيهة» رأيته، ونحن نسير صوب اعمالنا ذات صباح صيفي. كان يهبط من شارع «فرعي» الى الشارع الرئيس، وهو ما يعني أنه كان يخالف آداب المرور بعدم توقفه،لأن الأولويّة عادة وكما تعلمناها للعابر في الشارع الرئيس.
وبسبب الزحام، تجاوزه السيارات القادمة من جهة الشرق، وفجأة توقف كي،يثير مشكلة بلا مبرر.
أخرج يده تلك التي كانت تلوح منها سيجارة قد اشتعلت للتوّ. وأخذ يصرخ ويشتم مثل «دون كيشوت» الذي قاده هوسه لمحاربة طواحين الهواء.
كنتُ خلفه، أتأمل منظره، وكانت اغنية فيروز «فايق يا هوى» تصدح من مسجّل سيارتي. أخذتُ أرقب عصبيته، وردود فعل السائقين من حولنا.
الاشارة الحمراء كانت بمثابة الفيصل بيننا وبين الرجل الغاضب مع ان «الحقّ عليه». وقبل أن تتحول الاشارة من حمراء الى خضراء،طلبتُ من الرجل أن «يهدي» اعصابه، وقلت له مازحا: الحياة مش مستاهلة، بلاش يصيرلك إشي
.
لكن الرجل الغاضب، لم يأبه لـ»مواعظي» واعتبر أن «دمي ثقيل» وهو قد يكون كذلك، لكن ليس في كل الأوقات.
وقذف سيجارته ولفّ مقود سيارته مثل ابطال «الراليات» ومضى.
كنتُ ومثلي فئة « من الجيل العتيق»، أفتتح نهاري بصوت فيروز وأعتبر أغانيها وخاصة في الصباح بمثابة، «فاكهة النهار» التي»تفتح النفس» على العمل وعلى مواجهة اعباء الحياة بشكل عام.
ومازلتُ احتفظ بهذه العادة، ولعلي أول ما اشتريت سيارتي، اشتريت عدة أشرطة للمطربة فيروز لتلازمني في حِلّي وفي ترحالي.
وصرتُ أحد اعضاء»حزب فيروز» الذين يجاهرون بعشقهم للحياة وللناس مع سبق الإصرار والترصّد.
أعتقد جازما، لو أن كل الناس وتحديدا السائقين يسمعون فيروز في الصباح،لتغير شكل الشوارع ولهدأت النفوس ولو بنسبة كبيرة.
أغاني فيروز تحملنا الى طفولتنا والى حبنا القديم والى بواكير قريتنا وعفويتنا وبراءتنا التي افتقدناها وسرقتها منا الحياة، واللهاث الطاحن وراء لقمة الخبز.
فيروز واغانيها تقوم بضبط ايقاع أرواحنا، وتسحب من «عروقنا» فتيل الغضب المجّاني، وتجعلنا اكثر إنسانية وأقل عصبية.
اسمعوا فيروز ولاحظوا الفَرْق .. | |
بقلم: طلعت شناعة.
المراجع
addustour.com
التصانيف
صحافة طلعت شناعة جريدة الدستور
login |