الحادثة التي سأرويها مألوفة كثيراً في بلدنا. حدثني صديق قبيل العيد -بعد أن كتمَ عني أياماً- أنه سحب مبلغاً من الصراف الآلي لأحد البنوك، ثم ناور للخروج بسيارته من المكان الضيق. سمع صوت ضربة، وتلفت حوله ولم يجد ما يفسر الصوت. ثم جاءه شخص أخبره بأنه "دهس" شخصاً بمرآة السيارة. وجاء الآخر يحمل يده "المصابة". سألهم صديقي عن أسمائهم، فذكروا له أسماء منسوبة إلى عشيرة أردنية معروفة. قالا إن "المدهوس" سيذهب إلى المستشفى الذي سيستدعي الشرطة، وسيترتب على صديقي بعد ذلك أن "يبلش" بالجاهات والعطوات وما يتبع ذلك. فهم صديقي المأزق –بحكم السنّ والخبرة، فعرض عليهما خمسين ديناراً أخذاها وغادرا منتصرين، وغادر هو مع إحساس فظيع بالغبن.
استغربتُ في البداية أنّه قَبِل بالغُبن ولم يتصل بالشرطة. ثم فكرت بشكل أهدأ في المعطيات والمفارقات التي تواجهنا جميعاً في مثل هذه المواقف. تذكرتُ النصيحة "الثمينة" التي سمعناها كثيراً مذ كنا صغاراً: إذا صادفت أحداً مدهوساً أو مصاباً في شارع، فلا تتنطح لإسعافه، لأنّك ستكون المتهم الأول حتى تثبت براءتُك. وإذا حدث وأن توفي المصاب أو لم يستطع تأكيد أنك لست الفاعل، فلن يحلّ أسرك غير العناية الإلهية. وفي موضوع ادعاء أحد عليك بالإيذاء أو الدهس –كما يفعل النصابون الذين يستغلون عمى عين العدالة- فإنك ستتورط في الحجز والدفع والجاهات والعطوات حتى يتبين الرشد من الغيّ. والغالبية يفضلون شراء أنفسهم من كل ذلك بالدفع للمحتالين.
في موضوع الشكاوى الكيدية، كنتُ شاهداً على حادثة تلاسن فيها طرفان، وقرّر الماكر منهما الانتقام فحصل على تقرير طبي بطريقة ما يثبت إصابة في قدمه، وادعى على الغريم بأنه دهسه عمداً. والتفاصيل كثيرة، لكن الأمر انتهى بحكم أوليّ بحجز المشتكى عليه، وبفرض تدخل الجاهات والعطوات. وبسبب التجاء الشاكي إلى عشيرة كبيرة، وبتوسيط "شيخ" غير محترف في العطوات –أو غير ذلك، تورط المشتكى عليه بعطوة "اعتراف" بدل عطوة "حق"، مما رتّب عليه مبالغ كبيرة. وبعد أكثر من سنة من مراجعة المحاكم، حكمت المحكمة ببراءة المشتكى عليه. في النهاية، ساد الحق والقانون، ولكن بأيِّ ثمن من المال والأعصاب والتوتر العائلي والشخصي؟
قبول الناس بالغبن –وهم يعلمون أنه كذلك- يفصح عن التباس كبير في العلاقة بين المواطن والشرطة والعشيرة. أولاً، هناك خوفٌ ترسّب لدى المواطن من الشرطة. وقد وصل الأمر في الوعي الشعبي حدّ تخويف الأطفال بالشرطي، ربّما في امتداد لصورة الدركي العثماني. ويبدو أن محاولة التحول بالعلاقة إلى العاديّة واحترام الأدوار لم تحرز نجاحاً يعتد به بعد. ولذلك علاقة حتمية بشك متأصل في جديّة سيادة القانون واحترام حقوق الإنسان وتحييد الوساطات والانتقائية والشخصنة في تطبيق القانون. ولو كان المواطن يعرف تماماً ما يكفله له القانون وما يرتبه عليه -أيّاً كان طرف تطبيقه- فإنه سيتعامل مع الوسيط بخوف أقل.
القبلية المرتبطة بنيوياً بالعصبية والانحياز لرابطة الدم، كثيراً ما تخرج عن أدوارها لتسترشد بأسوأ ما في فكرة العصبوية. فإذا وقع المواطن في حادث سير أو غيره، صار مطلوباً بالإضافة إلى القانون الغائم، لعشيرة يمكن أن يحاسبه أيٌّ من أفرادها على هواه. وغالباً ما تنتصر العشيرة لأفرادها أو المستجيرين بها ظالمين أو مظلومين. لذلك زوّر المحتالان في قصة صاحبي انتسابهما لعشيرة معروفة وخوفاه بتذكيره بمتاهات الجاهات والعطوات، وهيهات! ولا أعرف ما العيب لو أننا سعينا إلى استعارة كيفية تعامل العالَم المتمدن مع حوادث الدهس أو غيره، حيث تتولى شركات التأمين والقانون ضمان الحقوق بلا كثير غلبة ورعب. أم أننا نفترض في مواطنينا نزوع الإجرام وسوء النية بحيث يعجز القانون عن ضبط سلوكنا، أو نخشى اعتراض البعض على تجريدهم من امتيازاتهم الموروثة على حساب قانون الدولة الذي يجب أن يكون غير عصبويّ؟
أيّاً يكن، لا حلّ سوى الإصرار على اللجوء إلى الشرطة إذا تعرض المرء لمحاولة الاحتيال، والمغامرة باحتمال الإنصاف بدل الغبن. وينبغي توفير السبل لتشجيعه على ذلك وتطمينه. وحبذا لو ناب القانون في هذه المسائل عن العشيرة، كما ينبغي، علّنا نتخفف من إرهاب محتالي الدهس أيضاً، وفينا ما يكفينا.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   علاء الدين أبو زينة