لم تنجُ الصحافة في معظم أنحاء العالَم من هجمة الأزمة الاقتصادية. وكانت أبرز تجليات الأزمة هي تقليص مكاتب التحرير وكوادر المراسلين في المؤسسات الإعلامية، وإرسال كثير من العاملين في القطاع إلى البطالة. وبطبيعة الحال، ترتّب على ذلك ترشيد ملحوظ في نوعية وحجم السلعة الإعلامية، بما يعني الإضرار مباشرة بالمهمة الأولى للإعلام: إبقاء الناس على اطلاع. وفي عالَم يغرق في التعقيد حتى يصعب فيه على الفرد ترتيب المعلومات المتاحة والخروج منها بفهم معقول لما يجري، يصبح نقص المعلومات سبباً جديداً في تعمية المشهد وإرباك الرؤية. وينطوي الأمر كله على مفارقة غير سارة، إذ لا معنى في عصر المعلومات لفقدان المواطن العالمي وسيلة قديمة وسهلة للوصول إلى المعلومات.
اليوم، يشكو المحترفون في القطاع -بالإضافة إلى مشكلة البطالة- مما يسببه نقص العوائد من تقصير الصحافة في أداء أدوارها الوطنية الضرورية، بوصفها عينٌ للمواطن بالدرجة الأولى، وسلطة رقابية تتعقب العيوب في الأداء العام والرسمي وتضعها تحت الضوء. وفي هذا الإطار، يتحدث الصحفيون في الغرب بألم عن التضحية بالصحافة الاستقصائية بسبب ضعف التمويل واختصار الكادر، باعتبار ذلك لُقية ثمينة للفساد وسوء الإدارة ليعملا باسترخاء وبلا رقيب. ويتحدث آخرون عن اضطرار المحررين إلى تعبئة الفراغات التي يخلفها نقص المادة الإعلامية بالرسوم والخلفيات والإعلانات بدلاً من الخبر الجديد والموضوع المفيد. ويمكن تصوّر ما يمكن أن يحدث للأخبار حين تقلص المؤسسة الإخبارية مراسليها الذين يكتبون تقاريرهم من قلب الحدث، والاعتماد على روايات أخرى بطريقة النقل، على طريقة رواج الإشاعة. وبالتراكم، سيندر الذين يصنعون الخبر والحقيقة، ونقترب من فكرة عالَم بلا أخبار. صورة قاتمة.
في الأردن، عملت الصحافة غالباً بالحد الأدنى من طموح الإعلاميين. مثلاً، لا تستطيع أي صحيفة محلية إرسال "روبرت فيسك" إلى أفغانستان والإنفاق على رحلته لمقابلة بن لادن، ناهيك عن وجود مراسلين يغطون الإقليم من موقع الحدث، بل وحتى الحَدث المحلي. وفيما يتعلق بالصحافة الاستقصائية التي تعتبر غاية عليا في الإعلام، ثمة ألف سبب لعدم اجتراء الصحافة المحلية على استقصاء ما يحتاج إلى استقصاء. ومع ذلك وغيره من الاختزال، تعاني الصحف المحليّة من أزمات تجعلها غير قادرة على التركيز، وهي تواجه خطر الإفلاس والإغلاق. وإذا كنا نتحدث عن صحف تعدّ على أصابع اليد الواحدة، فإنّنا أمام احتمال أن نصبح بلداً بلا صحف. هل يجوز؟!
بطبيعة الحال، تعرف الصحف أسباب أزماتها، ويكتب المعنيون كثيراً في ذلك. لكنّ على رأس الأسباب شيئا يتعلق بمخالفة بديهية: إنّ المستهلك والممول الحقيقي للسلعة الصحفية هو المواطن. إنّه هو الذي يشتري الصحيفة. فإذا لم يعثر على الرضا في المنتج، وفقد الثقة في نوعيته والإضافة التي يصنعها؛ وإذا شعر بأن الصحيفة ليست عينه وصوته، فإنه سيعافها ببساطة. وإذا لم توزع الصحيفة على أحد، لا تعود مصلحة للمعلن في استخدامها. فمن أين تعيش؟
 ومع ذلك، تجد الصحافة نفسها مضطرة لأن تكون صوتاً لوجهة النظر الرسمية بالدرجة الأولى. ومع توفير الإنترنت والمواقع معلومات لا تجد الصحف الحرية لتوفيرها، سيذهب المواطن إلى هناك، وسيضحي بما ينبغي أن توفره له الصحيفة من مصداقية. والمفارقة في هذه المعادلة، هي أنّ خسارة الصحف وإغلاقها ستحرم الحكومة، أي حكومة، من وسيلة تخدمها بأكثر من معنى. إنها أولاً وسيلة هائلة لإيصال معلوماتها إلى الناس. وهي ثانياً، وربما الأهم، مصدر مهم للتغذية الراجعة وتحسس رد فعل الناس. ولذلك، تفكر الدول باستقلال الصحافة كشيء إيجابي، وتصنع صحفاً تستطيع أن تقول شيئاً آخر غير المديح الخادع. وإذا كان مبدأ الصحافة الناجحة هو الانحياز إلى المواطن، فإنّ هذا المبدأ بالذات هو مطلق الانحياز إلى الوطن والدولة، حيث لا دولة بلا مواطنين.
في الحقيقة، تطالب الصحف المحلية الآن بأشياء أبسط من ذلك؛ بأشياء تتعلق بمجرد البقاء، مثل تخفيض الرسوم على مستلزمات الإنتاج لإنفاق الوفر على كوادرها وتغطية نفقات صناعة مادتها. ذلك يؤشر على نوعيّة الهمّ والمطلب القريب الذي يشتت انتباه المهنة عن غاياتها العليا، لكنه أقل ما ينبغي أن يُلبى في دولة لا يجوز أن تصبح بلا صحف!.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   علاء الدين أبو زينة