ليست العواصف في العادة أنباءً إيجابية؛ إنها تعني هبوب ريح عاتية مجنونة تقلع الشجر والحجر، تصحبها الأنواء والمطر الشرس الذي لا يرحم. وكثيراً ما تخلف العواصف خسائر في الأرواح والممتلكات، ولا يذكرها من تصطاده في العراء بخير. ومع ذلك، استقبل الأردنيون نبأ هبوب عاصفة شديدة على البلد بالاحتفال المعتاد. وأطلق المتنبئون الجويون اسماً أنثوياً على العاصفة الأخيرة "أليكسا" -تلطيفاً أو تورية- فضاعفوا الإثارة وذكرونا بالأعاصير المشهورة. وأسهمت مواقع التواصل الاجتماعي ومواقع الأخبار في رفع حالة الاستنفار.
كالعادة، فكر قاطنو البيوت الحجرية أول شيء بالعطلة، والركون إلى الدفء والكستناء. ووجد الكثيرون مناسبة للكسل، فتجهز القادرون بأكوام الخبز والأطعمة والمسليات. لكنّ آخرين، نتذكرهم بأسىً مفتعل غالباً، لا يجدون متعة في العواصف والثلوج. هناك الذين اختبروا، والذين ما يزالون يختبرون، كارثة العيش في مخيم للاجئين، حيث الريح تقتلع أوتاد الخيام والسقوف الصفيح، والمطر يُغرق الفِراش البسيط، والبرد يغتال الصغار. وهناك الفقراء القاطنون في البيوت الخفيضة التي تغمرها سيول المناطق العالية. وهناك المضطرون إلى العمل في الظروف الجوية القاسية، تحت الخطر والبرد والليل.
في قلب العاصفة، تذهب الرومانسيات وتحضر الواقعيات. وعندما تغادر، يتبقى تفقد الأضرار وعناء محاولة استئناف الحياة. البعض يتأملون الخبرة لأخذ العبرة وتغطية النواقص في مرات مقبلة شبه حتمية، وآخرون يكتفون بتبادل الآراء ووضع الحلول كلاميّاً، وبلا عمل. وقد اكتشفنا نحن، وليس للمرة الأولى، أننا غير مجهزين بأدوات لمواجهة الأنواء. في كل مرة تتكشف النواقص ويزيد الحرج. المؤسسات الرسمية تؤدي واجبها بالحد الأدنى من الكفاءة، وتُغرق نفسها في المديح على أداء الواجب الذي لا يستوجب المديح. ونطري على التحام أجهزة الحكومة بالمواطنين والمواطنين بأنفسهم، وكأن ذلك كسر للقاعدة، وهو الذي يجب أن يكون القاعدة. والمزاج الشعبي يكشف عن فوضاه: الكثير من الأزمات والخسائر سببها مواطنون غامروا بالخروج في الطقس السيئ بلا لزوم وبلا حساب للعواقب، وفاقموا المشكلة.
إحدى الصحف اللبنانية فسّرت تحمس الناس لقدوم العاصفة بأنها تكسر "الركود السياسي". ذلك يذكّر بعواطف المغامرة المشابهة التي يصنعها تعطش الناس للتغيير، حتى ولو بنشوب الحروب. لكنّ "الركود" في هذه الأوقات معنى مراوغ. يُفترض أننا نعيش في عين عاصفة كبيرة -ساخنة- بدأت بهبوب رياح التغيير على شتاء العرب الطويل. وقد انتظر الناس تلك العاصفة أيضاً بشيء يشبه انتظارهم "أليكسا"، لكنهما فاجأتا الكثيرين بحدة الأحوال وطول الإقامة. البعض اقتلعت العاصفة سقوفهم -واقتلعتهم هم أنفسهم ورمتهم في المعاناة والبرد والتشريد. البعض نفدت مؤونتهم وأضجرهم وقوف الأحوال والحبس في المنازل والخطر في الخارج. والأكثر ينتظرون الانفراج وقدوم الشمس والخضرة الموعودة. ولا شمس ولا خضرة.
أحوال الطقس وأحوال السياسة متعالقين حتماً -كما لاحظت الصحيفة اللبنانية. إن سوء البنية التحتية ورداءة الطرق والترهل والفساد؛ عدم امتلاك المواطن كلفة التدفئة والبيت الآمن؛ التهافت على الاستهلاك بلا إنتاج؛ انفصال المترف عن الفقير؛ سوء تقدير العواقب وبُعد المسافة بين حساب الحقل وحساب البيدر، وحتى الركود الذي يجلب السأم ورغبة التغيير بأي شيء حتى بعاصفة، والخروج تحتها بلا تقدير، كلها أعراض سوء أحوال سياسية. وفي تفسير تحول "الربيع العربي" إلى شتاء قاس مقيم في معظم الأماكن أيضاً، أذهب مع الذاهبين إلى تعليل الكارثة بسوء التجهيز. لم يتجهز الناس في عقود "الاستقرار" الظاهري بفكر بديل، ولم يتزود أحد بخطط مدروسة لمعالجة الأحوال المفاجئة بحيث تقل الخسائر وترجح المكاسب. وكما حدث، علقت المنطقة في العاصفة الشرسة -أو تحاول استيعاب ما بعد العاصفة بذهول.
كان الأردن في السنوات الثلاث الأخيرة في عين عاصفة سياسية، محاصراً بمناطق الحروب والهجرات، ومشتبكاً بأزمته الخاصة. البعض أثنوا على تعامل البلد مع تقلب المناخ. البعض قدروا أن كل ما جناه الأردنيون من "ربيعهم" كان ارتفاع الأسعار. والبعض يحذرون من منخفضات مفاجئة جديدة، محلية أو عابرة، ربما تكون أعمق من المعتاد. وحتى بعد العاصفة، هناك الانجماد الذي يكسر الأقدام ويدمر العربات مع صعوبة السير وعطب الطرق. بعد العواصف "تذهب السكرة وتأتي الفكرة" ويشعر الناس بالحصار! والآن، هل ذهبت العاصفة؟ هل نحن حقاً فيما بعد العاصفة؟!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد علاء الدين أبو زينة