غلبت مشاعر التشاؤم والهواجس على استقبالنا للعام الجديد. كان في البال في الأيام الأخيرة ما يقرؤه المعقبون في مقدمات السنة المقبلة، وما يخص منطقتنا، والأردن. لم تكن القراءات في الوضع الإقليمي والأردني متفائلة كثيراً بتعقب السياقات. ولن يشك فاصل الوقت المفتعل وتغيير رقم السنة، قطعاً أو انكساراً حاداً في خط الحياة المتصل. لم تكن السنة الماضية سهلة على الأردنيين، والطبيعي أن يكون القادم امتداداً لمقدماته.
في 2013، اختبرنا سلسلة من الظواهر والأزمات: استمرار الاعتصامات والاحتجاجات والتظلمات؛ الارتفاعات في الأسعار وكلف العيش؛ تصاعد العنف المجتمعي والجامعي وتعمق الاتجاهات العصبوية؛ حدوث جرائم فردية غريبة وانتحارات، واتضاح معالم الجريمة المنظمة؛ مواجهة تداعيات الأزمات والصراعات في الدول المجاورة التي خلفت مزيداً من الضغط المادي والمعنوي على الأردنيين. حتى أن الطقس لم يكن رحيماً كثيراً بنا؛ إذ قست العاصفة الأخيرة على البلد وكشفت العيوب.
في مفتتح العام الجديد أيضاً، كان الخبر المحلي الأبرز هو رفع أسعار الكهرباء والمحروقات. وعلى صعيد التنبؤات الدولية للأردن، كان الأردن مصنفاً في مجموعة المناطق الأكثر احتمالاً للأزمات في مسح مجلس العلاقات الخارجية الأميركي حول اتجاهات العام الجديد. ورشح المسح، الذي استمزج رأي 1200 خبير، الأردن لـ"تصاعد عدم الاستقرار السياسي والعنف المدني... نتيجة انسياب الأزمة من الحرب السورية". هذا العامل الخارجي يضيف فقط إلى الاحتقانات المحلية التي تخلفها الأوضاع الاقتصادية الصعبة أساساً، والحاجة إلى الفرص والحريات والعدالة الاجتماعية والإصلاح السياسي.
في خانة الإيجابيات، يستشهد المعقبون بتجاوز كثير من الأزمات السابقة التي بدت في حينها خطيرة ومنذرة. حتى في عز "الربيع العربي" وسقوط البلدان الشقيقة في فخ الصراعات المحلية والحروب الأهلية، عملت درجة معقولة من العقلانية الشعبية والرسمية وضبط النفس، إضافة إلى المعادلات الموضوعية لتكوين الأردن، كصمامات أمان حالت دون وصول الأمور إلى حد الصراع والتناقض الكامل. لكن ذلك لا يعني الاعتماد على الطالع الحسن والركون إلى الكسل. إن مفهوم الأمن لا يتصل فقط بالصراعات المسلحة، وإنما يتعلق أكثر بشعور الناس بالأمن الاجتماعي والتخفف من القلق. وإذا لم يتحقق هذا الشرط، فإن استمرار أسباب الاحتقان ستعمل كقنبلة جاهزة للانفجار عند أي خطأ وبلا توقع. لا نحب استقبال العام الجديد بالهواجس المخيفة. لكن التفكير الآمل لا يعفي من لحظة الحقيقة. ستكون آليات التعامل مع مسارات الأزمة هي الفيصل في تعميقها أو تفكيكها، وتحديد حجم التوترات ومنسوب الخطر. ما تزال السياسة الأردنية مطالبة بالتحول عن نهج إدارة الأزمات إلى مخاطبة جذورها، وابتكار الحلول الاستراتيجية التي تطمئن الأردنيين إلى مستقبل أبنائهم. يجب الاجتراء على إعادة ترتيب علاقات المجتمع والدولة في اتجاه التكامل والاندماج.
إن الأردن يمتاز بتكوين اجتماعي هائل التجانس، على مستويات الطائفة والعرق والمصلحة التي تشكل عوامل افتراق في أماكن أخرى. وتقول التجربة أن تأكيد الاختلافات واهية الأسس واللعب عليها كصمام أمان، إنما يعني في الوقت نفسه الإبقاء على فتيل تفجير منذر وبالغ الخطر.
يجب أن يكون صناع القرار السياسي في الأردن مبدعين جداً في تحديد المواقف والسياسات الخارجية، لجهة عدم توريط الأردنيين في معارك ليسوا معنيين بخوضها. والأهم من كل شيء، يجب أن يلمس الأردنيون تحسناً في أحوالهم القريبة وتخفيف ضغوط الحياة عنهم. يجب أن يسمعوا عن مشاريع واعدة واضحة النهايات لجهة تأمينهم من القلق وصرفهم عن اللجوء إلى العصبيات والولاءات الفرعية.
لقد أوصلنا تكالب المشكلات وضيق الوجهات، إلى مستويات عالية من الشخصانية والبحث عن الخلاص الفردي. لكن نقطة الإشراق الأكيدة التي يعوّل عليها لعبور السنة الجديدة الصعبة، هي اجتماع أشواق الأردنيين وغاياتهم على أمنية وحاجة وجودية واحدة: أن يحمي الله الأردن وأهله من غوائل الطريق.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد علاء الدين أبو زينة