توحي دبلوماسية جون كيري المكوكية بخصوص المسألة الفلسطينية، بأن الإدارة الأميركية الحالية تريد صنع شيء حاسم بشأنها. لكن الشعور الشعبي الفلسطيني والعربي المعني، يستشعر وجود خديعة تُحاك بليل، والتي ربما تكتب الفصل الأكثر رداءة في المسيرة الفلسطينية. ولن أقول بفكرة "تصفية القضية،" لأن شرط هذه "التصفية" في رأيي هو تصفية كل المنتسبين إلى فلسطين وطناً أو عاطفة. ولا يتعلق الأمر بحيوية الشعب الفلسطيني وصموده وعمق هويته وتاريخه فقط، وإنما ساعدت ذلك جملة عوامل موضوعية أيضاً، أسهمت في حفظ القناعة الطبيعية بأنه ليس أحنّ على المرء من وطنه.
ليس الشك المتشائم في كواليس "عملية السلام" الحالية بلا أسس. لا يمكن أن يعتقد -حتى أكثر الحالمين- بأن أياً من الظروف الراهنة يمكن أن يمنح الفلسطينيين شيئاً يلامس الحد الأدنى من تطلعاتهم الوطنية. فعلى الصعيد الدولي، ما يزال اللاعب الدولي الذي يتولى دور الوسيط والحكم هو الخصم الأكثر شراسة للحق الفلسطيني. كانت الولايات المتحدة الأميركية وما تزال حبل الإعاشة الحيوي الذي يمد الكيان المحتل بأسباب وجوده الاقتصادية والعسكرية، ويحميه من العدالة والقرارات الدولية. وفي المقابل، لم تبذل هذه الجهة أي معروف للفلسطينيين. كانت الحربة المنغرسة في خاصرتهم وسبباً في نزيفهم وإذاقتهم كل أنواع الأذى بلا توقف. وفي غياب أوروبا والقوى الدولية الأخرى عن موقع القرار والاهتمام بمسارات القضية الفلسطينية، تبدو الساحة الآن مهيأة فقط لمزيد من إطباق القبضة الأميركية-الإسرائيلية على عنق الفلسطينيين.
على الصعيد العربي والإقليمي، تنشغل معظم الدول العربية الآن بصراعاتها الخاصة وأزماتها المحلية، بحيث لا تمتلك القوة ولا الرغبة في الدخول على الخط الفلسطيني. أما الدول العربية طليقة اليدين نسبياً، فمعروفة بولاءاتها المعلنة للراعي الأميركي، وعلاقاتها الدافئة مع الكيان، ولا يُتوقع أن يكون لها أي تأثير لمصلحة الفلسطينيين، إذا كان لها تأثير أصلاً. وبالنسبة للأتراك، توحي المؤشرات بأن فشلهم الأخير في الاحتفاظ بالعواطف العربية وتورطهم المفرط في الأحداث العربية، يجعلانهم أميَل إلى معاودة تدفئة العلاقة مع الكيان الصهيوني، بل إن المتابعين يتحدثون عن خطوط وقنوات لم تنقطع أصلاً في هذه العلاقة. أما إيران وما يسمى محور الممانعة واصطفافه المعلن مع الفلسطينيين -بغض النظر عن تفاوت الآراء في حقيقة هذا المحور- فغارقون عميقاً في صراعاتهم وحفظ بقائهم الشخصي. باختصار، لم يكن الظرف العربي والإقليمي أسوأ من الآن لإبرام الفلسطينيين صفقة سلام. 
الأهم من كل هذه المتغيرات التي تؤثر في موقف الفلسطينيين التفاوضي، أنه لم يكن وضع الفلسطينيين أنفسهم أسوأ مما هو عليه الآن أيضاً -بل إنه ربما يكون الوضع الأسوأ في تاريخهم المعروف كله. فحتى أيام الاحتلالات التركية والبريطانية، كانوا يعانون ويناضلون، وإنما في دفء وطنهم على الأقل. وفي أعقاب النكبة نفسها، والنكسة بعد ذلك، كانوا يمتلكون ميزة الأمل ووضوح الهدف ورسوخ القناعات. وقد وفر لهم الاشتباك مع العدو بنفس أداته، السلاح، إحساساً منطقياً بالحماية واحتمالات الانتصار. لكن الاستهداف الخارجي الذي لا يرحم، وجملة من التقديرات الخاطئة للذات والموقف، أفضت بالفلسطينيين إلى التزام موقع دفاعي رديء فقط، وجردتهم من فرصة المناوشة والضغط على العدو. ورافق ذلك تبني خطاب سلمي/ استسلامي متهاوي النبرة، قوّض الثوابت والتعريفات، حتى أصبحت المطالب الفلسطينية الرسمية لا تكاد تمت بشيء لفلسطين التاريخية الحقيقية، في حين تضحّي بحق العودة المقدس لملايين اللاجئين من فلسطين 1948. 
في البداية، لم تعلن الثورة الفلسطينية عن انطلاقتها إلا بالبيان العسكري رقم (1) في مفتتح العام 1965، لأن قادتها كانوا يدركون أن أي تحرك بلا سلاح في وجه عدو استعماري مدجج، لا يمكن حتى أن يقترب من ثورة تحرر وطني. ذلك تغير وتغيرت الثورة!
الآن، لن يريد أي فلسطيني، أو حتى أي محب للعدالة، أن يكون مفوضاً بالتوقيع على أي شأن نيابة عن الفلسطينيين. لن تقدم كل هذه الظروف المعاكسة للفلسطينيين الضعفاء والوحيدين سوى خيار الاستسلام الأكيد، والبصم على شرعية الكيان، وتغريب معظم الفلسطينيين وقطع صلتهم القانونية بأرض الآباء والأجداد. ولعل أفضل الممكن في هذه الأوقات هو أن لا يجد كيري ونتنياهو من يريد توقيع صك تسليم فلسطين، والخيانة.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   علاء الدين أبو زينة