المجموعات الافتراضية في تطبيق "واتس أب" على الهواتف الخلوية، تشبه التجمعات الواقعية في كثير من الأمور. على سبيل المثال، يمكن لأفراد مجموعة "الواتس" أن "يجلسوا" معاً تقريباً، وأن يتبادلوا الأفكار كتابة -أو بالصوت- بحيث يسمع الجميعُ الجميعَ. وإذا كانت مجموعة "الواتس" كبيرة وغير نخبوية أو محددة باختصاص، فإنها تكون صورة مصغرة عن المزاج الاجتماعي الواقعي.
قد يكون من الطريف تأمل نوعية الإرساليات التي تتداولها مجموعات "الواتس" التي يفترض أنها غير مؤدلجة. في الغالب، تتكون تلك الإرساليات من طرائف تنتقد الأداء والعادات الاجتماعية والوقائع السياسية المحلية، وفيديوهات ورسوم عن أشياء غريبة في العالم، وأكثر شيء: إرساليات دينية هائلة الحجم، من خطب جوامع وفتاوى شيوخ خليجيين في الغالب، وأدعية مخطوطة للصباح والمساء والظهيرة، إلى أوصاف للقبور والجنة والنار غير مألوفة المصادر، وما شابه. وفي الغالب، تكون العظات طويلة متقعرة اللغة، فضائية المحتوى.
هذه الإرساليات الكثيرة جداً، (لا أعرف من أين يحضرونها) تتمنى على المرسلة إليه أن يعيد نشرها، وتعده بالثواب إذا فعل وبالعقاب إذا أحجم. وأحياناً يستحلفونك أن لا تكتمها فتحرم الآخرين من الفائدة ونفسك من الأجر. والغاية منها، كما يبدو، هي أن يصبح المجتمع متفقهاً عارفاً بالدقائق طاهر الروح. لكن أغلب هذه المواد تنتمي إلى نوعية لا تصنع ثقافة دينية معتدلة، بقدر ما تقترح التطرف والإفراط.
التركيز الكبير على تداول هذا النوع من المواد يكشف عن هوس فائق بالتديّن. المفروض أن الناس يتعلمون ما يجب معرفته عن دينهم المتوارث المستقر في المدرسة، مدعومة بالتربية الأسرية والاكتساب الاجتماعي. وبلا تقصد مبالغ فيه، يصبح الدين عنصراً من ثقافة المرء وتكوينه الفكري والأخلاقي. وفي الممارسة الطبيعية، يشتغل الفرد بشؤونه الدنيوية، من عمل ونشاط، ويعطي للبعد العقائدي مساحته التي يراها مناسبة، والتي تنتمي إلى المنطقة الروحية الشخصية. لكنّ إقحام الدين في كل شيء وكل لحظة، واستخدام مواد ليست لها أي صلة بالتعليم الديني المدروس المتوازن المضمّن في المناهج، يبدو موجباً للتساؤل. هل هؤلاء الناس الكثر الذين يصرفون وقتاً كبيراً في قراءة هذه الكتابات وتوزيعها ليس لهم شغل آخر؟ هل هم قلقون من شيء؟ هل يشفّ كل هذا الاستغراق في تفاصيل كثيراً ما تبدو غير منطقية، عن مجتمع شديد الورع؟
ليست مجتمعاتنا ورعة بالتعريفات الصارمة، حتى مع تعمق الاتجاهات التطرفية والجهادية والتفجيرات الانتحارية. وحتى أكثر الأماكن ادعاء للحرص على الدقة في تطبيق الدين، وفرضه بالقوانين، وادعاء الناس له بدمجه في العادات والأعراف، لا علاقة حقيقية لها بما ينبغي أن تشكله العقيدة في النظرية والعمل. بل إن الأماكن التي تفرخ هذه المظاهر، تنطوي في الجوهر على انحرافات في السلوك، من فساد نخبها "الورعة" وتناقض مسلكها مع أي مبدأ، إلى الانفلات الأخلاقي للأفراد حيثما أتيحت الفرصة، بالسر، أو في دخيلة النفس المكبوتة.
هنا، تعودنا العيش في مجتمع يعتنق الدين بوسطية حسنة، فيه الناس يتعاملون مع الدين بالبساطة والالتزام الكافي جداً لتكون حياتهم هادئة وأخلاقية، بلا عقد وفلسفات. كانت النساء أخوات رجال، ولم يكن من الضروري قضاؤهن ليالي في الاعتكاف أو الاستماع إلى دروس خاصة. وكانت أحاديث العائلات في السهرات والمجالس عادية، عفوية بتحفظات أقل، ومليئة بالتفقد الحميم للمحيط العادي، رغم مصاعب تلك الفترات أيضاً. لكن من المفارقات أن التداولات الكثيفة للمواد الغريبة غير الضرورية هذه الأيام، وظاهرة الكينونات الدينية الأيديولوجية التي تشتبك ضد محيطها نفسه وتعاديه، يترافق مع الكثير جداً من مظاهر التراجع الأخلاقي والسلوكي، وتزايد القلق والاختلالات النفسية والعنف. بل ان الهوس فوق الطبيعي بما ينبغي أن يكون طبيعياً أصبح يحدد خيارات البسطاء الذين يستهلكهم الخطاب التخويفي، فتكون مواقفهم أحياناً بلا أسس عملية ولا منطقية، وبما يضر بمصالحهم وهم لا يدركون، ويعطل مساعي التقدم والتعددية.
تداول الأفكار الدخيلة على الدين، بحيث تورّم جسمه ليحتل أكثر من حيزه الصحي، تعتدي على مساحة الفكر العملي الضروري لمعاش الناس الأرضي. وكثرة ادعاء "الورع" بهذه الطريقة الافتراضية المحلقة حد الاستغراق، لن يحل شيئاً، وسيترك هذه المجتمعات "الورعة" بلا أي فرصة فقط!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد علاء الدين أبو زينة