أعادتني فسحة من الوقت إلى رائعة مكسيم غوركي "الأم". ومثل كل أعمال الأدب العظيمة، لا تستنفد هذه الرواية نفسها، ويجد فيها المرء كلما عاود قراءتها بعداً جديداً يفكر فيه ويعقّب عليه، ويشبه شيئاً يجري في زمنه ويتصل بخبرته.
في الصفحات الأولى التي قرأتها من الرواية حتى كتابة هذه السطور، يصف الكاتب مناخات تخيم عليها القتامة والشقاء. ثمة ضاحية عمالية يعمل أهلها في مصنع ما، تستدعيهم صفارته كل صباح، فيلبي النداء "أناس انقبضت وجوههم وتجهمت". فإذا غابت الشمس "تقيأ المصنع أولئك القوم من أحشائه الحجرية وكأنهم فضلات لا حاجة به إليها". وقد صنعت ظروف العمل وسوء أحوال الناس شخصيات مشوهة، مدمنة على شرب الكحول، لا يتكلم أصحابها إلا عن العمل والشكوى منه، ويشتركون جميعاً في ضرب الزوجات والأبناء. و"يتقد في صدورهم هيجان مريض عصيّ على الإدراك يسعى وراء منفذ له، فيتمسكون بأتفه الأسباب كي يطلقوا لمشاعرهم العنان، مزمجرين في وجوه بعضهم بعضاً بوحشية حيوانية تنتهي دائماً باصطدامات عنيفة دامية، تنتج عنها أضرار بالغة في بعض الأحيان، والقتل في أحيان أخرى".
باختلاف التفاصيل الصغيرة، ينطبق الوصف على المناخ الذي نعيشه هذه الأيام: الظروف الصعبة والشكوى؛ التجهم والانقباض، وتصريف الضيق نفسه في شكل العنف الاجتماعي والشجارات التي تخلف تدميراً وقتلى، حرفياً. وهناك في الناس "... إحساس بالحقد الدفين يسيطر على علاقاتهم الإنسانية". ويختار لنا غوركي بالتحديد شخصية ميخائيل فلاسوف، ميكانيكي المصنع وأقوى رجال الضاحية الذي لا ينجو من شره وعدوانيته أحد. وبالإضافة إلى ضرب الآخرين ونعت الجميع بأبناء الكلبة، يضرب فلاسوف زوجته ويناديها دائماً بـ"الكلبة". ولا يكف عن ضرب ابنه الوحيد حتى يهدده الابن الذي شبّ بمطرقة، وبالرد بعنف مماثل.
كان من الطبيعي أن يرث الابن "بافل" طباع أبيه وبقية رجال الضاحية. وعندما مات أبوه، كان مظهر النضج والمسؤولية الذي سعى إليه هو البدء بالسكر والعربدة واضطهاد أمه ومعاملتها على طريقة أبيه وباقي الرجال. و"تذكر بافل... أنه لم يكن يشعر بوجود أمه في الدار تقريباً في حياة أبيه، فهي تحيا في سكون وخوف دائم من الضرب والصفع". لكن هذا الفتى المرشح ليكون نسخة أخرى عن الناس الحاقدين المعادين في الضاحية، شرع بالتغير والخروج من الضياع المعمم. ولاحظت أمه أنه أصبح أكثر جدية وهدوءاً، وأنه "يحمل معه كتباً إلى الدار، كان يقرأها خفية، ويخبئها عندما ينتهي".
تحولات بافل أقلقت أمه، لأنها كانت ببساطة خارجة على المألوف. أصبح يساعدها أحياناً في تنظيف البيت، ويرتب سريره ويعاونها في عملها. ولم يكن أي رجل آخر في الضاحية يفعل ذلك أبداً. ولاحظت أمه: "الناس يتصرفون كما ينبغي أن يتصرفوا، أما هو فأشبه بالرهبان، جدي أبداً ورزين دائماً". وبطبيعة الحال، أقلع بافل تماماً عن الشرب، وكان مثالاً للالتزام في عمله وبُعدَه عن الشجارات والمشاكل. باختصار، كان بافل يتحول إلى رجل ثوري، بمعنى فَهْم الواقع وأسباب قتامته، ومحاولة تغييره إلى الأفضل.
الذي أريد الإشارة إليه من هذا الوصف المختصر، هو شخصية الثوري الإيجابي الذي تحتم عليه تربيته المنضبطة أن يكون مثالاً محترماً في المجتمع الذي يريد أن يعمل فيه ومن أجله. وأريد أن أقارن هذا النموذج بمختلف أنماط "الثوريين" الذين صادفناهم ونصادفهم الآن. في السابق، كان بعض هؤلاء يفهمون من الثورية كثرة الشرب مثلاً، أو "التحرر" إلى حد التحلل واستعداء المجتمع. والآن، ينفّس الناس عن ضيق أحوالهم بأشكال متنوعة من العنف والشجار. ويستغل مشبوهون ذلك، ويؤطرونه في أيديولوجيات إجرامية تعزز اضطهاد الناس لأنفسهم وللنساء، تحت شعارات تزعم الثوروية والوصاية على الأخلاق، أو يجندون البسطاء لأغراض انتهازية!
هذه الأنماط وشبيهاتها في اليسار واليمين، لا تشبه ثورية بافل فلاسوف الذي عُنيت تربيته وتثقيفه بالأخلاق كمسألة أساسية في التكوين الثوري، وكانت أخلاقه الجديدة سبباً في تحول الأم "المرأة" البسيطة المقموعة إلى نموذج آخر للتحول الثوري الإيجابي والمشجع، صنعه الإحساس بالقيمة والاحترام. الآن، نتحدث عن "ثورة"، وإنما بلا نوعية القيادة المنضبطة المشذبة ذات الأخلاق الثورية. ولذلك، لا نكاد نشاهد سوى العنف، وليس الثورة!

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   علاء الدين أبو زينة